سياسة

صراع “الضبط الجديد”: الداخلية القوية (لفتيت) في مواجهة حكومة الثروة (أخنوش).. إعادة موازين القوى في المشهد السياسي

يكشف المشهد السياسي المغربي عن ملامح صراع نفوذ “صامت” بين القوتين الأكثر تأثيراً في تدبير الشأن العام: وزارة الداخلية القوية، التي يمثلها الولاة والعمال وتُعدّ امتداداً للسلطة المركزية، والحكومة الحالية التي يقودها رئيس الوزراء عزيز أخنوش، زعيم حزب التجمع الوطني للأحرار. هذا التوتر يتصاعد في سياق موسوم بارتفاع ملحوظ في المتابعات القضائية ضد المنتخبين، أغلبهم من أحزاب الأغلبية الحاكمة.

 “الدولة العميقة” والبيروقراطية الثقيلة: إزعاج قيادة الأحرار

انطلقت شرارة هذا التوتر بتصريحات علنية غير مألوفة من قيادي بارز في التجمع الوطني للأحرار، انتقد فيها ما أسماه “الدولة العميقة” و**”البيروقراطية الثقيلة”** التي تتحكم في مفاصل الإدارة. ووجهت هذه التصريحات سهام النقد بشكل مباشر نحو الولاة والعمال، متهمة إياهم بـ “التحكم الفعلي” في مجالس الجماعات والجهات، ومتسائلة عن آليات محاسبتهم.

يُقرأ هذا الإنزعاج في الأوساط التحليلية كرد فعل طبيعي من قيادة الحزب على كثافة المتابعات القضائية التي تستهدف برلمانيين ورؤساء جماعات ينتمون إلى الأغلبية. هذه الدينامية تعيد طرح مسار تاريخي قديم: كلما اعتلى حزب رئاسة الحكومة، وجد نفسه أمام تحدي العلاقة مع وزارة الداخلية، التي تظل متحكمة في مفاتيح القرار الترابي والانتخابي.

 أخنوش: الجمع “المُربك” بين الثروة والحزب والحكومة

يكمن جوهر التوتر في الخصوصية التي يمثلها رئيس الحكومة الحالي. فبينما كان التوازن السياسي غير المكتوب في النظام المغربي يميل إلى الفصل بين حقول الثروة، والسياسة، والنفوذ الإداري، جاء صعود رئيس الحكومة ليجمع بين ثلاثة مواقع قوة غير مسبوقة:

  1. الثروة الاقتصادية الهائلة: كونه رجل أعمال كبير.

  2. القيادة الحزبية: زعيم لحزب سياسي مركزي.

  3. قيادة السلطة التنفيذية: رئيس الحكومة.

هذا الجمع يمثل نقطة “كسر” للقواعد القديمة. ومما يزيد الأمر تعقيداً هو ملف المحروقات، حيث ساهم تحرير الأسعار وتراكم الأرباح لشركات التوزيع (التي يمتلك رئيس الحكومة حصصاً فيها) في رسم صورة “رجل أعمال مفترس”، وهي الصورة التي تُستعمل سياسياً اليوم ضده، ليس فقط من المعارضة، بل ومن داخل أجهزة الدولة نفسها عبر تقارير مؤسسات الحكامة.

 تحول الأحرار: من أعيان الداخلية إلى “كتلة مالية وإعلامية صلبة”

لقد غير التجمع الوطني للأحرار من هيكله الداخلي، حيث تحول من حزب يعتمد على شبكة من الأعيان المحليين المرتبطين تاريخياً بوزارة الداخلية، إلى حزب يرتكز على شبكة صلبة من رجال المال والأعمال والفاعلين الإعلاميين، والشركات الرقمية. هذه الشبكة تدين بالولاء بالدرجة الأولى للقيادة المركزية.

هذا التحول يقلص من قدرة وزارة الداخلية على التحكم في الحزب “من تحت” عبر الأعيان، ويجعلها في مواجهة قيادة حزبية مركزية تحاول السيطرة “من فوق” على الماكينة الانتخابية والقرار السياسي.

 سلاح القوانين الانتخابية: ضبط اللعبة

يظهر هذا الصراع جلياً في الجدل الدائر حول القوانين الانتخابية الجديدة، وتحديداً في مقترحين يثيران قلق قيادة الأغلبية:

  1. تشديد العقوبات على المحتويات الرقمية المضللة: وهو ما يستهدف جزءاً من الآلة التواصلية الرقمية للحزب.

  2. منع المترشحين المتابعين قضائياً من خوض الانتخابات قبل صدور أحكام نهائية.

تُفسر هذه المقتضيات كأدوات بيد السلطة المركزية لإعادة ضبط المشهد، تستهدف في آن واحد آليات التجييش الرقمي للحزب وشريحة من أعيانه المحليين المعنيين بملفات المتابعة القضائية (والذين يُعتبرون جزءاً من ركائز الحزب الترابية).

 إعادة ضبط لموازين القوة

ما يحدث ليس مجرد حملة اعتيادية على الفساد، بل هو عملية “إعادة ضبط لموازين القوة” داخل المنظومة السياسية المغربية. تظهر وزارة الداخلية (ممثلة في لفتيت القوي) كطرف يسعى للحفاظ على قواعد اللعبة التقليدية، وعدم ترك مفاتيح المال والحزب والحكومة في يد شخص واحد. وفي المقابل، يناور رئيس الحكومة (أخنوش) عبر بناء كتلة مالية وإعلامية صلبة تسعى لتقليص هامش تحكم الداخلية في الحقل الحزبي والسياسي، في محاولة لخلق توازن قوة جديد.

أخنوش يدفع قيادات الحزب الى تبني خيار الهجوم على الداخلية 

غير أن كل المؤشرات تتحدث على أن الهجوم الذي تقوده قيادات الأحرار و بتفويض من أخنوش ما هو إلا الإحساس بأن “الحمامة” باتت تعجز عن الطيران و أن أجنحتها ستقص في الإنتخابات التشريعية القادمة من طرف الكتلة الناخبة،وهو ما جعل رئيس الحكومة يختار الهجوم بدل الدفاع في محاولة إرباك وزارة الداخلية و مسؤوليها من ولاة و عمال  و إظهار للرأي العام أن الأحزاب و الساسة و المنتخبون لا يتحكمون في اي قرار،و هي خرجة تسيء للحزب و للمسار السياسي بالمغرب الذي قطع مع مثل هذه الخرجات مع عهد جلالة الملك محمد السادس الراعي للعملية الإنتخابية الديموقراطية الشفافة و تكافىء الفرص ،و لولا النزاهة وحياد السلطة لما كان أخنوش  يحلم ليصل يوما الى رئاسة الحكومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى