سلسلة “رمضانيات سياسية” – الحلقة الثالثة حزب الاستقلال بفاس… من مرجعية علال الفاسي إلى صراعات التعيين وإقصاء المناضلين

سلسلة “رمضانيات سياسية” من إعداد : عبدالله مشواحي الريفي
في هذه الحلقة الثالثة من سلسلة “رمضانيات سياسية”، نفتح واحدًا من أكثر الملفات حساسية داخل المشهد الحزبي الفاسي، وهو واقع حزب الاستقلال بمدينة فاس، الحزب الذي ارتبط اسمه تاريخيًا بالمدينة ووجدانها السياسي، والذي تأسس على مرجعية وطنية وفكرية حمل لواءها الزعيم الراحل علال الفاسي، قبل أن يجد نفسه اليوم أمام تحديات داخلية عميقة تهدد تماسكه التنظيمي وتضعه في مواجهة مفتوحة مع قواعده التاريخية.
فاس التي كانت دومًا خزّانًا انتخابيًا ورمزيًا لحزب الاستقلال، لم تعد تمنح الحزب ذلك البريق الذي اعتاد عليه، بل تحولت إلى ساحة صراع داخلي صامت بين قيادات محلية وجهوية، ومناضلين يشعرون بأن الحزب ابتعد عن منطق النضال الحقيقي، وانزلق نحو سياسة التعيين والولاءات الضيقة، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول مستقبل التنظيم في أفق الاستحقاقات المقبلة.
قيادة جهوية في قلب العاصفة
بعد مغادرة حميد شباط للحزب، دخل الاستقلال بفاس مرحلة انتقالية اتسمت بظهور قيادات جديدة و أطر نقابية قوية ، و تمكنت من حصد نتائج مهمة في انتخابات 2021،لكن سرعان ما سرقت منهم أحذية المجاهدين من طرف علال العمراي الذي تسلق المراتب لكسبه بطلاناثقة المناضلين، جعله يدخل في صراع داخلي لتصفية كل مناضل و ايطار يرى فيه انه الاقوى.
غير أن هذا الصعود التنظيمي لم يواكبه، بحسب عدد من الأصوات داخل الحزب، تأثير سياسي ميداني ملموس بالمدينة، إذ يرى منتقدو العمراوي أن الرجل اعتمد أساسًا على أصوات المناضلين التاريخيين، خاصة بمنطقة سايس، بعدما واجه سابقًا معارضة قوية داخل فرع أكدال، قبل أن ينتقل إلى فرع الزهور بسايس حيث وجد بيئة تنظيمية مكنتْه من إعادة بناء نفوذه والصعود نحو المواقع القيادية، وهو ما يعتبره خصومه استفادة ظرفية من دعم مناضلين باتوا اليوم يشعرون بالتهميش والتنكر لتضحياتهم.
مقاطعتان تحت تدبير الحزب… وحصيلة توصف بالصفر
يتولى حزب الاستقلال بفاس تدبير مقاطعتين أساسيتين، هما مقاطعة سايس التي يرأسها حميد فتاح، ومقاطعة زواغة بنسودة التي عليها الجاي، غير أن الحصيلة التي يتحدث عنها مناضلون ومتابعون للشأن المحلي توصف بالصفر سياسيًا وتنمويًا، إذ لم تُسجل مبادرات نوعية أو مشاريع كبرى تُحسب للحزب، في وقت كانت فيه التوقعات مرتفعة بعد نتائج انتخابات 2021.
في مقاطعة سايس، تتصاعد مؤشرات توتر داخلي بين الرئيس والمنسق الجهوي، بلغ حد الحديث عن استعداد حميد فتاح لمغادرة الحزب في ظل صراع تنظيمي غير معلن، وهو ما قد يشكل ضربة انتخابية موجعة للحزب في أحد أهم معاقله، خصوصًا إذا ما قرر جزء من القاعدة التنظيمية الاصطفاف خارج الخط الرسمي.
أما في مقاطعة زواغة بنسودة، فقد برزت اختلالات تعميرية وملفات تدبيرية وصلت إلى ردهات المحاكم، وهو ما أضعف صورة الحزب محليًا، وفتح الباب أمام تساؤلات حول جودة الحكامة والرقابة الداخلية، بل إن بعض المتتبعين يتحدثون عن مفاجآت قادمة قد تعمق أزمة الثقة داخل المقاطعة إذا ما تم الكشف عن مزيد من المعطيات.
داخل جماعة فاس… حضور بلا أثر
كان الحزب يتوفر على موقع متقدم داخل مجلس جماعة فاس من خلال النائب الأول للعمدة، غير أن هذا الحضور لم يتحول إلى قوة اقتراحية أو مبادرات مؤثرة، بل إن متابعات قضائية طالت المعني بالأمر، ما انعكس سلبًا على صورة الفريق الاستقلالي داخل المجلس، حيث سُجل غياب ملحوظ لأعضائه عن عدد من الدورات والمناقشات المفصلية، الأمر الذي أعطى الانطباع بأن الحزب دخل مرحلة التدبير دون رؤية واضحة أو برنامج دفاعي قوي يحمي رصيده السياسي.
هذا الوضع خلق شعورًا عامًا داخل القواعد بأن الحزب لم يستفد منه مناضلوه بعد انتخابات 2021، وأن التمثيلية داخل المؤسسات لم تُترجم إلى مكاسب تنظيمية أو اجتماعية أو حتى رمزية لصالح المناضلين الذين تعبوا في الحملات الانتخابية.
برلمانيو الحزب… بين الامتداد العائلي وضعف الأثر المحلي
انتخاب كل من عبد المجيد الفاسي وعلال العمراوي إلى البرلمان شكّل مكسبًا عدديًا للحزب، غير أن جزءًا من القواعد يرى أن الأداء البرلماني لم يكن في مستوى انتظارات المدينة، وأن الحضور ظل محصورًا في الرباط وبين أنشطة رسمية ورحلات خارجية، دون ترافع قوي عن ملفات فاس الكبرى.
عبد المجيد الفاسي، نجل الأمين العام الأسبق عباس الفاسي، يواجه انتقادات إضافية لكونه لا يقيم بشكل دائم بالمدينة و لا ينتمي الى العاصمة العلمية، رغم ترشحه بها، وهو ما يعزز لدى البعض فكرة أن الحزب ما زال يعيش على رمزية تاريخية وعائلية، بدل أن يفرز قيادات ميدانية متجذرة في الواقع المحلي.
تجديد الفروع… منطق الإقصاء بدل النضال
عملية تجديد الفروع التي أعلن عنها الحزب محليًا لم تمر دون جدل، إذ يتهم عدد من المناضلين القيادة الجهوية باستقدام وجوه جديدة غير معروفة داخل التنظيم، ومنحها مواقع قيادية بدعم مباشر من المنسق الجهوي الجديد وهو علال العمراوي بعد أن تمت تصفية عبدالواحد الأنصاري رئيس مجلس الجهة و حرمانه من عضوية اللجنة التنفيذية، مقابل تهميش وإقصاء مناضلين حقيقيين ضحوا بوقتهم وجهدهم لعقود في سبيل بناء الحزب داخل الأحياء والفروع.
هذا التحول من منطق الانتخاب والتدرج النضالي إلى منطق التعيين والولاء الشخصي خلق شرخًا عميقًا داخل التنظيم، بل إن قيادات وازنة تم تهميشها بدأت تفكر بشكل جدي في مغادرة العمل السياسي وعدم دعم أي مرشح استقلالي في الانتخابات المقبلة، وهو تطور إن حدث فعليًا فسيشكل ضربة قاصمة للحزب في مدينة اعتادت أن تمنحه وزنًا انتخابيًا معتبرًا.
صراع الترشحات… معركة مبكرة على مقاعد البرلمان
الاحتقان التنظيمي يتغذى كذلك من صراع مبكر حول الترشحات البرلمانية المقبلة، حيث يبرز تنافس واضح بين قيادات حزبية ونقابية، من بينها كاتب نقابي بارز يعلن صراحة أحقيته في الترشح مستندًا إلى قاعدة عمالية واسعة داخل الاتحاد العام للشغالين، ويرفض أن تُستعمل هذه القاعدة لخدمة طموحات أشخاص بعينهم، وهو ما يعمق الانقسام بين تيارات الحزب.
كما أن مطالب بعض القيادات بالترشح في اللائحة الجهوية المخصصة للنساء تضيف طبقة جديدة من التعقيد، إذ إن أي إقصاء محتمل قد يدفع إلى تمرد انتخابي صامت، أو عزوف مناضلين عن الانخراط في الحملات، وهو ما يهدد وحدة الصف في محطة مفصلية.
تراجع في الأحواز ونتائج انتخابية مقلقة
في جماعات أحواز فاس، خصوصًا أولاد الطيب، تراجع بريق الحزب بشكل لافت، ولم يعد يحافظ على نفس القوة التي ميزته في محطات سابقة، بل إن نتائج 2021 أظهرت هشاشة القاعدة الانتخابية مقارنة بالماضي، ما يطرح سؤالًا حول مدى قدرة القيادة الحالية على استعادة الثقة في المجال القروي وشبه الحضري،و انه خلال إنتخابات جزئية ليست ببعيدة بجماعة أولاد الطيب حصل حزب الإستقلال على 10 أصوات فيما حصل منافسه التجمع الوطني للأحرار على 210 صوت اي بفارق 200 صوت وهو ما يظهر ان القاعدة الإنتخابية للميزان إختلت موازينه بشكل فضيع.
ورغم أن الحزب ممثل في مجلس الجهة ومجلس العمالة وعدد من الجماعات، فإن حصيلته العامة لم تُقنع فئات واسعة من الساكنة، التي لم تلمس تغييرًا حقيقيًا في أوضاعها، في مقابل ما تغير في أحوال بعض المنتخبين، وهو ما يعزز خطابًا داخليًا يعتبر أن الحزب أدى ثمن خياراته التنظيمية الضيقة.
بين إرث علال الفاسي وواقع اليوم
حين يُستحضر اسم علال الفاسي في فاس، يُستحضر تاريخ من النضال الوطني والفكري والالتزام بالمبادئ، غير أن الحزب اليوم يجد نفسه أمام اختبار صعب، إذ لم يعد يكفي الاتكاء على الذاكرة الجماعية، بل بات مطالبًا بإعادة بناء الثقة مع قواعده، وتجديد نخبته بآليات ديمقراطية شفافة، وإعادة الاعتبار للمناضلين الحقيقيين الذين شكلوا عموده الفقري لعقود.
فهل ينجح حزب الاستقلال بفاس في القيام بمراجعة داخلية عميقة تعيد له بوصلة النضال وتصحح اختلالات التعيين والولاءات؟ أم أن مسلسل التهميش والصراعات سيقود إلى مزيد من الانكماش، وربما إلى نزيف صامت قد يظهر أثره بوضوح في الاستحقاقات المقبلة؟
في مدينة بحجم فاس، لا مكان للفراغ السياسي طويلًا، ومن لا يجدد نفسه قد يجد نفسه خارج معادلة التأثير، مهما كان تاريخه عريقًا. وفي رمضان السياسة، حيث تُراجع الحسابات وتُقرأ المواقف بميزان دقيق، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستعيد الاستقلال روحه الأولى، أم أن زمن المرجعية التاريخية دون تجديد قد ولى؟






