قضايا

زلزال مرتقب في الجماعات الترابية… وزارة الداخلية تفتح ملفات المال العام وتستعد لعزل منتخبين وجرّهم إلى القضاء

في سياق تصاعد مطالب تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، تتجه وزارة الداخلية نحو فتح مرحلة جديدة في التعاطي مع ملفات تدبير الشأن المحلي، عنوانها الصرامة والانتقال من منطق التنبيه والتوجيه إلى منطق المتابعة القضائية والمساءلة الفعلية. وتفيد معطيات متطابقة بأن تقارير رقابية حديثة رصدت اختلالات متعددة في تدبير عدد من الجماعات الترابية، وهو ما عجل بتسريع وتيرة التدخل المركزي لإعادة ضبط مسار الحكامة المحلية.

وتستند هذه التحركات إلى عمل ميداني وتقني تقوم به المفتشية العامة للإدارة الترابية، التي باشرت افتحاصات دقيقة شملت صفقات عمومية، وتدبير الموارد المالية، وطرق صرف الاعتمادات، إلى جانب تتبع مآل مشاريع تنموية تعثرت رغم رصد ميزانيات مهمة لها. وقد كشفت هذه العمليات، بحسب المعطيات المتوفرة، عن وجود تجاوزات خطيرة في بعض الحالات، تتراوح بين سوء التسيير وغياب الشفافية، وصولاً إلى شبهات تهم تبديد المال العام.

وفي هذا الإطار، يرتقب أن يتم تفعيل مساطر العزل في حق عدد من رؤساء الجماعات الذين ثبت تورطهم في اختلالات جسيمة، وذلك قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، في خطوة تعكس إرادة واضحة لقطع الطريق أمام استمرار ممارسات تسيء إلى صورة التدبير العمومي المحلي. كما يُنتظر أن تحال ملفات ثقيلة على القضاء، تشمل منتخبين حاليين وسابقين، من أجل ترتيب الجزاءات القانونية اللازمة في حق كل من ثبت إخلاله بواجباته.

ويأتي هذا التوجه في سياق وطني يتسم بتزايد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، حيث أصبح الرأي العام أكثر حساسية تجاه قضايا الفساد وسوء تدبير المال العام، خاصة في ظل تعثر عدد من المشاريع المحلية التي كان يُفترض أن تسهم في تحسين ظروف عيش المواطنين. وهو ما يجعل من تفعيل آليات المراقبة والمحاسبة ضرورة ملحة، ليس فقط لحماية المال العام، ولكن أيضاً لاستعادة الثقة في المؤسسات المنتخبة.

وكانت وزارة الداخلية قد لوحت، في أكثر من مناسبة، بقرب نهاية مرحلة “التسامح” مع مظاهر الاختلال، حيث أكد وزير الداخلية داخل المؤسسة التشريعية أن كل من ثبت تورطه في الاستفادة غير المشروعة من المال العام سيكون ملزماً بإرجاعه، مع ترتيب المسؤوليات القانونية دون اعتبار للمواقع أو الانتماءات. وهو تصريح يعكس تحولا في الخطاب الرسمي نحو مزيد من الحزم، ويؤشر على مرحلة قادمة قد تكون حاسمة في مسار تخليق الحياة العامة.

ولا تقتصر هذه الحملة المرتقبة على حالات معزولة، بل يُنتظر أن تشمل عملية تدقيق واسعة لباقي الجماعات الترابية، في إطار رؤية شمولية تهدف إلى تقييم حقيقي لكيفية تدبير الشأن المحلي، ورصد مكامن الخلل، مع اقتراح آليات إصلاحية تعزز الشفافية وتضمن نجاعة الإنفاق العمومي. كما يُرتقب أن يتم تعزيز التنسيق بين مختلف أجهزة الرقابة، بما يضمن تتبعاً دقيقاً لمآل التقارير وتفعيل توصياتها على أرض الواقع.

إن المرحلة المقبلة تبدو حاسمة في إعادة ترتيب العلاقة بين المسؤولية والمحاسبة داخل الجماعات الترابية، في ظل مؤشرات قوية على أن الدولة ماضية في تفعيل مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وترسيخ قواعد الحكامة الجيدة. وهو ما قد يشكل منعطفاً حقيقياً في مسار تدبير الشأن المحلي، إذا ما تم تفعيله بصرامة وشفافية، بعيداً عن أي اعتبارات ظرفية أو حسابات سياسية ضيقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى