ذاكرة السياسة وعقاب النسيان هل كتبت “عزلة التواصل” شهادة وفاة عزيز أخنوش سياسيًا؟

في لعبة السلطة والحكم، لا يُقاس نجاح الساسة فقط بالأرقام الاقتصادية أو المردوديات القطاعية، بل بمدى ارتباطهم بعواطف وعي المواطن اليومي. في هذا الإطار يمكن قراءة مسار عزيز أخنوش ليس كرئيس حكومة تدبيري فحسب، بل كحالة قابلة للدرس والقراءة في الذاكرة السياسية المغربية. فهل انتهت تجربة رجل الأعمال الناجح في القطاع الخاص بتجربة سياسية استنفدت شرعيتها، أو أن «عزلة الخطاب والتواصل» هي التي أنهت فرصته في البقاء كقائد ذو حضور سياسي مؤثر؟
أولاً | نفوذ المال : صورة لم تعد كافية
عندما تولى أخنوش قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار ثم رئاسة الحكومة، حمل معه صورة التاجر الناجح؛ رجل أعمال ناجح في القطاع الخاص، صاحب خبرة في التدبير، وقدرة على توظيف المنطق الاقتصادي في السياسة العامة. لكن التجربة أثبتت أن الانتقال من منطق الحسابات الاقتصادية إلى منطق الحياة الاجتماعية اليومية ليس انتقالًا سلسًا.
فالسياسة ليست مجرد أرقام مئوية أو نسب نمو، بل استجابة لنبض المواطنين ومشاعرهم ومخاوفهم. المواطن لا يتذكر ما إذا كانت نسبة النمو 3% أو 4%، لكنه يتذكر ما إذا كانت فاتورة الكهرباء أثقلت كاهله، وما إذا كانت أسعار المحروقات قد حرّكت عجلة التضخم في السلع الأساسية. وهنا تنكشف الفجوة: بين صورة رجل الأعمال الناجح وبين حاجيات المواطن اليومية.
إن الصورة التي نجحت في قطاع الفلاحة والتدبير المقاولاتي لم تعد كافية في ميدان السياسة الاجتماعية، حيث يتقاطع الواقع المعيشي مع تطلعات الأمن الغذائي، الأسعار، القدرة الشرائية، والعدالة الاجتماعية.
ثانيًا | أزمة التواصل: الصوت المسموع أم الصدى الفاقد؟
يقول تحليل سياسي إن نهاية القادة لا تبدأ عند صناديق الاقتراع، بل عند فقدانهم لسلطة الإقناع. وفي حالة أخنوش، كان عليه يستوعب عندما رفعت ضده شعار “إرحل” من إحتجاجات شباب جيل زيد كان عليه أن يفهم الرسالة و يقرر المغادرة و أن قرار “تربية المغاربة” إنقلبت عليه،و مشكلته ليست في غياب الحضور الإعلامي المهني و ليس المدجن فحسب، بل في افتقاد خطاب تواصلي قادر على امتصاص غضب الشارع أو طمأنته.
في أوقات تتصاعد فيها أزمة أسعار المحروقات، أو تتوسع فيها رقعة الغلاء، يحتاج المواطن إلى خطاب يفهم مخاوفه، يقرأ معاناته، ويطمئنه بأن هناك خطة واضحة تتماشى مع واقعه. لكن الخطاب الذي قدمته الحكومة، سواء من موقع رئاسة الحكومة أو من خلال قيادات الحزب نفسه، ظل تقنيًا أكثر من اللازم، يحاول تبرير الواقع بدلًا من تجاوزه، ويشرح الأرقام بدلًا من التفاعل مع المخاوف.
مثال ذلك تصريحات المسؤولين حول أسعار المحروقات، في وقت كانت الأسعار ترتفع نتيجة عوامل عالمية وإقليمية، كان المواطن المغربي يشعر بأن الدولة بلا رد فعل قوي أو حماية حقيقية للقدرة الشرائية. هنا يصبح الخطاب الرسمي ليست فقط غير فعال، بل منفصل عن الواقع المعيشي.
ولا يقتصر الأمر على خطاب واحد أو تصريحين، بل في منظومة كاملة من التواصل: من العجز عن تقديم رؤية استراتيجية واضحة، إلى عدم القدرة على مواجهة الخطاب المعاكس، إلى ضعف التواصل الرقمي والتفاعل مع شعور المواطن. في عالم تتسارع فيه وتيرة الإعلام ورفاهية المقارنة،و ليس إعلام مدجن ساهم في أن يصبح خطاب الحكومة عرضة للتشكيك إذا لم يرتبط مباشرة بحياة الناس.
ثالثًا | “عقاب النسيان”: التاريخ لا يرحم أحدًا
في سياق السياسة المغربية، يوجد ما يمكن تسميته بـ “مقبرة الأسماء”؛ حيث تتحول أسماء بارزة إلى ماضي لا يُستحضر إلا عند الضرورة. أسماء مثل عباس الفاسي، صلاح الدين مزوار، سعد الدين العثماني، وحتى حميد شباط، كلها كانت تمثل في لحظات رئيسية وجوهًا مؤثرة في المشهد السياسي، لكنها تلاشت من ذاكرة الشارع بمجرد مغادرتهم المشهد التنفيذي.
الظاهرة هنا ليست فريدة من نوعها في المغرب فقط، لكنها تبدو أكثر حدة حين تتصادم الهيمنة الاجتماعية أو الاقتصادية لاسم ما مع انفصال هذا الاسم عن نبض المواطنين. وبالمقارنة، عندما يكون لدى القائد قاعدة شعبية أو رابطة وجدانية مع الناس، فإن التاريخ قد يكون أكثر رحمة في تذكره، حتى وإن انتهت ولايته.
في حالة أخنوش، يبدو أن مؤشرات النسيان بدأت مبكرًا: من ضعف التفاعل الشعبي مع إنجازات حكومته، إلى اختفاء شبه تام من المشهد السياسي العام بعد إعلان عدم استمراره في قيادة حزبه. هذا ليس مجرد انسحاب لفرد، بل دلالة على أن الشرعية التي استند إليها لم تكن متجذرة في قبول شعبي متواصل.
رابعًا | الشرعية الهشّة: الانتخابات ليست كافية
واحدة من أبرز الدروس التي تركتها التجربة هي أن الشرعية الانتخابية وحدها غير كافية. الانتخابات، بطبيعتها، تمنح شرعية مؤقتة، لكن ما يحافظ على بقاء الزعيم على رأس المشهد هو قبول شعبي مستمر ومتجدد. المواطن قد يمنحك صوته في لحظة، لكنه لن يمنحك ثقته إلى الأبد إذا لم يشعر بتحسن ملموس في ظروف حياته.
فالحكومة، التي فشلت في إحداث تغيير جذري في القدرة الشرائية، أو لم تنجح في تحقيق مطالب اجتماعية ملموسة، أو لم تستثمر في تواصل يشبه حضور المواطن في حياته اليومية، تكون بذلك قد سلمت زمام المبادرة لسرديات بديلة: سرديات الانتقاد، الإحباط، وعدم الرضا. وعندها تصبح الشرعية السياسية هشة وغير قادرة على الصمود أمام غضب الشارع أو تحديات اللحظة.
خامسًا | الدروس السياسية للنخبة القادمة
من “خريف أخنوش” يمكن للنخبة السياسية القادمة أن تستخلص دروسًا مهمة:
- السياسة ليست إدارة شركات: الإدارة الاقتصادية وحدها لا تكفي، فهناك حاجة إلى سياسة تقرأ نبض المواطنين وتستجيب لتطلعاتهم الاجتماعية.
- التواصل هو الفعل السياسي نفسه: لا يكفي أن يكون لديك برنامج سياسي أو رؤية اقتصادية، بل يجب أن تكون قادرًا على حملها إلى الشارع، وتفسيرها بطريقة يفهمها المواطن ويثق بها.
- الشرعية المستمرة تُبنى بالنتائج وليس بالألقاب: المواطن لا يغفر الوعود غير المنجزة، ولا يتذكر من فشل في تحسين حياته اليومية.
- الخطاب الاجتماعي أكثر تأثيرًا من الخطاب التقني: فالمواطن لا يشتري أرقام النمو، بل يشتري شعورًا بأن حكومته تدافع عنه وتحميه.
نهاية زمن؟ أم بداية قراءة جديدة؟
رئاسة أخنوش للحكومة لن تُسجل فقط في دفتر الأرقام الإحصائية، بل في ذاكرة السياسة المغربية كدرس في مدى أهمية التواصل الشعبي، وقوة الشرعية الاجتماعية، وضرورة قراءة نبض الشارع باستمرار. إن رحيله، بالصمت أو بخلافه، لا يعني بالضرورة موت الرجل، لكنه قد يعني نهاية فصل في تاريخ السياسة المغربية: فصلًا كان فيه المال والتقنية يحاولان أن يتوغلا في عالم السياسة العامة والحياة اليومية للمواطن، فكان الرد هو ذاكرة سياسية لا تنسى من فشل في التواصل، وسجلت رحيله كدرس لمن سيأتي بعده.
في السياسة، لا أحد يختفي فجأة، لكن الكثيرين يغادرون وهم يحملون وزر الفشل و جلسات البكاء و الندم يوم لا ينفع فيه الندم في قراءة الناس وفهم مخاوفهم أكثر من فهم الأرقام.





