صحة

تاونات على حافة أزمة صحية.. طفلة تلدغها أفعى وسط حديث عن غياب المصل وسيارات الإسعاف، والمرضى يُحالون على فاس في ظل أسئلة محرجة حول تدبير القطاع

تعيد واقعة تعرض طفلة تبلغ عشر سنوات للدغة أفعى بإقليم تاونات فتح ملف الوضع الصحي بالإقليم، بعدما تحدثت معطيات متداولة عن عدم توفر المصل المضاد للسم، إلى جانب صعوبات في تأمين سيارة إسعاف لنقلها إلى فاس قصد تلقي العلاج المتخصص، في واقعة تضع جاهزية المؤسسات الصحية أمام أسئلة ملحة بشأن القدرة على التدخل في الحالات الاستعجالية، ومدى استجابة المسؤولين لحاجيات المواطنين في لحظات لا تحتمل التأخير.

وبحسب التصريح الذي جرى تداوله بشأن هذه الواقعة، فإن التواصل مع المسؤول الإقليمي عن القطاع الصحي أفضى، وفق رواية صاحب التصريح، إلى الإشارة لعدم توفر المصل، فيما طُرحت مشكلة عدم جاهزية وسائل النقل الصحي، مع الحديث عن سيارة إسعاف غير متاحة وأخرى معطلة. وهي معطيات تستدعي توضيحاً رسمياً عاجلاً من الجهات المعنية، سواء لتأكيد تفاصيل الواقعة أو نفيها، والكشف عن التدابير التي اتخذت لضمان نقل الطفلة وتوفير العلاج الضروري لها، لأن الأمر يتعلق بحالة صحية قد تستوجب تدخلاً سريعاً وتقييماً طبياً متخصصاً.

وتطرح هذه الواقعة سؤالاً لا يمكن تجاوزه: كيف يمكن لإقليم شاسع، يضم عشرات الجماعات الترابية وتجمعات سكانية متباعدة، أن يضمن التكفل بالحالات الحرجة إذا صحت المعطيات المتعلقة بغياب المصل وتعثر توفير سيارة إسعاف؟ وهل تتناسب الإمكانات الموضوعة رهن إشارة القطاع الصحي مع الحاجيات الفعلية للسكان، أم أن المرضى يجدون أنفسهم أمام اختلالات لا تظهر خطورتها إلا عندما تقع حالة طارئة؟

مستشفى إقليمي يتحول إلى محطة للإحالة نحو فاس

لا تقف الإشكالات المطروحة عند هذه الواقعة، بل تعيد إلى الواجهة وضع المستشفى الإقليمي بتاونات، الذي يفترض أن يشكل نقطة ارتكاز للتكفل بالمرضى، قبل إحالة الحالات التي تستدعي تخصصات دقيقة أو إمكانات غير متوفرة محلياً إلى المستشفيات الجامعية بفاس. غير أن الانتقادات المتداولة بشأن محدودية بعض الخدمات ونقص التخصصات الطبية تثير مخاوف من أن تتحول الإحالة، في عدد من الحالات، من إجراء طبي ضروري إلى خيار شبه مفروض بسبب محدودية العرض الصحي المحلي.

فالمشكلة ليست في نقل المرضى إلى فاس عندما تقتضي حالتهم ذلك، وإنما في اضطرار المواطنين إلى قطع المسافات والبحث عن وسائل النقل وتحمل تكاليف إضافية، في وقت يفترض فيه أن تتوفر بالمؤسسة الإقليمية خدمات قادرة على استقبال الحالات المستعجلة والتعامل معها، وتحديد درجة خطورتها، وتقديم التدخل الأولي المناسب، وضمان نقلها المنظم والآمن عند الحاجة.

ويزداد الوضع تعقيداً بالنسبة إلى سكان الجماعات البعيدة عن مركز الإقليم، حيث تصبح المسافة عاملاً إضافياً في معاناة المرضى وأسرهم. فالمواطن الذي يتوجه إلى المستشفى لا ينتظر فقط تشخيصاً طبياً، بل ينتظر أيضاً أن يجد دواءً متاحاً، ومرفقاً مجهزاً، وأطراً قادرة على التكفل بحالته، ومساراً واضحاً للعلاج لا يتركه في دوامة التنقل بين المؤسسات.

24 جماعة دون طبيب عام.. وملفات صحية تنتظر المعالجة

وفي سياق الترافع عن الوضع الصحي بالإقليم، جرى تقديم معطيات تفيد بأن 24 جماعة ترابية لا تتوفر على طبيب عام، إلى جانب شكاوى بشأن عدم انتظام تشغيل المركب الجراحي بالمستشفى الإقليمي، والخصاص في عدد من التخصصات الطبية، ومشكلات مرتبطة بالمستعجلات وصحة الأم والطفل، فضلاً عن جودة الخدمات والتجهيزات الطبية والبيوطبية، والتحاليل، والأدوية، وكيفية توزيعها على المراكز الصحية، والتفاوت في توزيع الموارد البشرية بين المؤسسات الاستشفائية.

وإذا كانت هذه المعطيات تعكس حجم الاختلالات التي يتحدث عنها ممثلو الإقليم، فإنها تستوجب نشر حصيلة رسمية دقيقة توضح عدد الأطباء المتوفرين بكل مؤسسة، والتخصصات التي تعرف خصاصاً، وحجم الخدمات التي تقدمها المراكز الصحية، ومدى انتظام المداومة، ووضعية المركب الجراحي، فضلاً عن آليات مراقبة المخزون الدوائي وتدبير سيارات الإسعاف.

وفي هذا الإطار، سبق أن نشرت البوابة الرسمية للمغرب، بتاريخ 14 ماي 2026، معطيات عن النشاط الصحي بتاونات، تضمنت تسجيل أكثر من 37 ألفاً و900 استشارة بالمستعجلات ونحو 18 ألف استشارة متخصصة، إضافة إلى 1048 تدخلاً جراحياً بالمستشفى الإقليمي. كما أوردت وجود 615 موظفاً بالقطاع الصحي بالإقليم، من بينهم 72 إطاراً طبياً، ضمنهم 43 طبيباً عاماً و27 طبيباً متخصصاً، مع الإعلان عن تدابير لتعزيز الموارد البشرية والتجهيزات.

وتكشف هذه الأرقام عن حجم الضغط المسجل على الخدمات الصحية، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على مدى كفاية العرض الصحي، ما لم تقترن بمعطيات تفصيلية حول توزيع الأطر والتخصصات، وأوقات الانتظار، وعدد الحالات المحالة إلى فاس، ونسبة تشغيل التجهيزات، ومدى توفر الأدوية الضرورية. فالمعيار الحقيقي ليس عدد العاملين أو المعدات المعلن عنها، بل قدرة المرفق على تقديم العلاج المطلوب في الوقت المناسب وبالجودة اللازمة.

المجموعة الصحية الترابية أمام اختبار الميدان

ويضع هذا الوضع أيضاً تجربة تنزيل المجموعة الصحية الترابية أمام اختبار فعلي، بالنظر إلى الرهانات المرتبطة بتحسين التنسيق بين المؤسسات الصحية، وتدبير الموارد البشرية، وتطوير الخدمات، وتقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى العلاج.

فالإصلاح المؤسساتي لا يمكن أن يقاس بمجرد إحداث هياكل جديدة أو تغيير أساليب التدبير، بل بما يلمسه المواطن داخل المستشفى والمركز الصحي. وإذا استمرت الشكاوى بشأن نقص الأطباء والتخصصات والأدوية، وتعثر وسائل النقل الصحي، وصعوبة الحصول على بعض الخدمات الأساسية، فإن ذلك يفرض على المسؤولين تقديم توضيحات بشأن ما تحقق فعلياً، وما لا يزال متعثراً، والأسباب التي تحول دون معالجة الاختلالات.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى توضيح دور المجموعة الصحية الترابية والجهات المسؤولة جهوياً وإقليمياً في تتبع وضعية المؤسسات الصحية بتاونات، ومدى انتظام اجتماعات التنسيق، وكيفية التعامل مع النواقص التي تهدد استمرارية الخدمات، والآليات المعتمدة لتحديد المسؤوليات عند وقوع اختلالات في تدبير الحالات الاستعجالية.

ولا تتوفر، ضمن المعطيات المتاحة بشأن الواقعة الأخيرة، إفادة رسمية مستقلة تحسم تفاصيل ما وقع للطفلة أو تؤكد وضعية المصل وسيارتي الإسعاف المشار إليهما. لذلك، تبقى المطالبة بتوضيح رسمي ضرورة مهنية ومؤسساتية، خصوصاً أن الأمر يتعلق بسلامة قاصر وبأسئلة تمس جاهزية المرفق الصحي في التعامل مع الحالات الحرجة.

مستشفى مزراوة.. هل تنهي المشاريع معاناة المرضى؟

ويُطرح استكمال بناء المستشفى الإقليمي بجماعة مزراوة باعتباره أحد المداخل الأساسية لتطوير العرض الصحي بالإقليم، إلى جانب مشاريع تأهيل المؤسسات القائمة وتعزيز خدمات القرب. غير أن إنجاز البنايات، على أهميته، لن يكون كافياً ما لم يصاحبه توفير الأطر الطبية والتمريضية، والتخصصات الضرورية، والتجهيزات المشتغلة، والمختبرات، والأدوية، ونظام فعال للمداومة والإحالة والنقل الصحي.

كما أن نجاح هذه المشاريع يقتضي وضع تصور واضح لتوزيع الخدمات على المجال الترابي للإقليم، حتى لا تظل الجماعات البعيدة عن المركز تعاني صعوبة الوصول إلى الطبيب، ولا تتحول المؤسسات الجديدة إلى منشآت محدودة الفعالية بسبب نقص الموارد البشرية أو ضعف التجهيزات أو غياب الاستمرارية في تقديم الخدمات.

والأهم أن المشاريع المستقبلية لا ينبغي أن تصبح مبرراً لتأجيل معالجة الأعطاب الحالية، لأن المرضى يحتاجون إلى العلاج اليوم، لا بعد سنوات. فالمطلوب هو الجمع بين استكمال الاستثمار الصحي واتخاذ تدابير عاجلة لتحسين الخدمات القائمة، خصوصاً في المستعجلات وتوفير الأدوية وضمان جاهزية سيارات الإسعاف.

الترافع البرلماني يضع الحكومة أمام مسؤولية الإجابة

وفي مواجهة هذه الاختلالات، أكد أحد الفاعلين البرلمانيين بالإقليم أن قطاع الصحة ظل من أولويات الترافع ومراقبة العمل الحكومي، مشدداً على أن الصحة وطنياً وجهوياً وإقليمياً ستظل ضمن الملفات الأساسية للعمل البرلماني، مع الالتزام بمواصلة الدفاع عن حق المواطنين في العلاج ومساءلة الحكومة الجديدة بشأن الإجراءات المطلوبة لتقليص الفوارق المجالية.

وربط المتحدث هذا الترافع بضرورة تفعيل منطق «مغرب السرعة الواحدة»، بما يضمن ألا تظل بعض المناطق متأخرة عن الاستفادة من الخدمات الأساسية، داعياً إلى القطع مع الوضع الحالي بالإقليم، ومعالجة الخصاص في الأطباء والتخصصات، وتحسين خدمات المستعجلات وصحة الأم والطفل، وضمان انتظام تشغيل المركب الجراحي، وتوفير التجهيزات والأدوية، وتحسين توزيع الموارد البشرية بين المؤسسات الصحية.

كما اعتبر استكمال بناء المستشفى الإقليمي بمزراوة مدخلاً أساسياً لتغيير المسار، مؤكداً استمرار الترافع من مختلف المواقع من أجل تحسين الوضع الصحي والدفاع عن قضايا المواطنين.

ويتيح هذا الموقف فتح نقاش رقابي واضح حول مسؤولية الحكومة ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية والجهات التدبيرية المعنية، من خلال المطالبة بإجابات محددة بشأن حقيقة ما وقع للطفلة، ومدى توفر المصل المضاد للسموم، والوضعية الفعلية لسيارات الإسعاف، وحصيلة معالجة الخصاص في الأطباء، ومآل تشغيل المركب الجراحي، والجدول الزمني لاستكمال المستشفى الجديد.

الحق في الصحة لا يحتمل الانتظار

إن واقعة الطفلة، في انتظار توضيح رسمي لتفاصيلها، تعيد التأكيد على أن إصلاح المنظومة الصحية لا ينبغي أن يظل محصوراً في البرامج والمخططات والاستثمارات، بل يتعين أن ينعكس على قدرة المؤسسات على الاستجابة الفعلية لحاجيات المرضى. فلا يمكن الحديث عن تحسين جودة الخدمات بينما تظل أسئلة أساسية مطروحة حول الأدوية الاستعجالية ووسائل النقل الصحي، ولا يمكن تقييم نجاح الإصلاح دون قياس أثره على المواطن الذي يحتاج إلى العلاج في لحظة حرجة.

ولا يعني ذلك تجاهل الصعوبات التي تواجه العاملين في القطاع الصحي، بل يقتضي التمييز بين مجهوداتهم المهنية ومسؤولية التدبير وتوفير الإمكانات. فالمطلوب هو ضمان شروط العمل، وتحديد المسؤوليات، ومعالجة النواقص، وتقديم حصيلة شفافة للرأي العام، بما يتيح معرفة مكامن الخلل والجهات المكلفة بتصحيحه.

وأمام حجم الأسئلة التي يثيرها الوضع الصحي بتاونات، لم يعد كافياً الاكتفاء بالتأكيد على أهمية الصحة أو الإعلان عن مشاريع مستقبلية؛ بل بات ضرورياً الانتقال إلى إجراءات ملموسة، تبدأ بالتحقق من الواقعة الأخيرة وتوضيحها، وضمان توفر الأدوية الضرورية ووسائل النقل الصحي، مروراً بمعالجة الخصاص في الموارد البشرية والتخصصات، وصولاً إلى استكمال المشاريع الاستشفائية وتشغيلها وفق معايير تضمن استمرارية العلاج.

فأبناء تاونات لا يطالبون بامتيازات استثنائية، وإنما بحقهم في خدمات صحية تحفظ كرامتهم وتضمن سلامتهم، وبمنظومة لا تجعل الإحالة إلى فاس حلاً متكرراً لكل نقص، ولا تترك المرضى وأسرهم يواجهون الحالات الاستعجالية في ظل الغموض والانتظار. ويبقى الامتحان الحقيقي للمسؤولين هو ما سيتغير على أرض الواقع، لأن قيمة الإصلاح لا تقاس بما يعلن عنه، وإنما بقدرته على حماية حياة المواطنين وتوفير العلاج لهم عندما يحتاجون إليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى