سياسة

الذكاء الاصطناعي أمام القضاء المغربي.. عبد النباوي وبلاوي يطالبان بتأطير قانوني يحمي استقلال العدالة وسرية الملفات

دخل الذكاء الاصطناعي دائرة النقاش المؤسساتي داخل منظومة العدالة المغربية، بعدما دعا محمد عبد النباوي، الرئيس الأول لمحكمة النقض والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، إلى وضع إطار قانوني وأخلاقي ينظم استخدام هذه التكنولوجيا في المجال القضائي، في وقت شدد فيه هشام بلاوي، رئيس النيابة العامة، على ضرورة حماية سرية الملفات والمعطيات الشخصية، وضمان بقاء الإنسان في قلب العملية القضائية.

وتبرز هذه المواقف توجها نحو التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة قادرة على تطوير أداء المحاكم وتسريع البحث القانوني، لكنها تفرض في المقابل أسئلة دقيقة بشأن حدود استخدامها، والمسؤولية عن الأخطاء التي قد تنتج عنها، ومدى قدرتها على احترام الضمانات المرتبطة بحقوق المتقاضين واستقلال القضاء.

وجاءت هذه الدعوات خلال افتتاح مؤتمر دولي رفيع المستوى بالرباط، يوم الأربعاء 14 أكتوبر الجاري، حول موضوع العدالة والذكاء الاصطناعي، نظمته محكمة النقض بشراكة مع جمعية المحاكم العليا للدول التي تتقاسم استعمال اللغة الفرنسية، بمشاركة أكثر من أربعين ممثلا عن المحاكم العليا وخبراء قانونيين من أربع وعشرين دولة.

وأكد عبد النباوي أن الذكاء الاصطناعي لم يعد تحولا عابرا يمكن للمنظومة القضائية تجاهله، بل أصبح أداة تتيح إمكانات مهمة لتسريع تحليل الملفات، وتيسير البحث في النصوص القانونية والاجتهادات القضائية، وتحسين الوصول إلى المعلومة، والاستفادة من الحلول المعتمدة في قضايا مماثلة.

غير أن المسؤول القضائي شدد على أن الاستفادة من هذه الإمكانات تقتضي وضع حدود واضحة للاستخدام، واستباق المخاطر المحتملة، داعيا إلى تدخل المشرع لاعتماد قوانين ونصوص تنظيمية، إلى جانب مبادئ توجيهية أخلاقية ومواثيق للسلوك المهني تضبط استعمال هذه التكنولوجيا من طرف القضاة ومختلف مهنيي العدالة.

وتكتسي هذه الدعوة أهمية خاصة في ظل التحولات التي يشهدها العمل القضائي، إذ يمكن للأدوات الرقمية أن تساعد في تنظيم الوثائق والبحث عن المراجع القانونية واختصار الوقت اللازم لمعالجة كميات كبيرة من المعلومات، لكنها لا تستطيع أن تعفي القاضي من واجب التحقق والتقدير المستقل وتحمل المسؤولية عن القرار الصادر باسمه.

ومن جانبه، وضع هشام بلاوي حماية المعطيات وسرية المعلومات في صلب النقاش، مؤكدا أن استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات القضائية يجب أن يحترم دولة القانون والحقوق والحريات والشفافية وعدم التمييز. وحذر من إدخال البيانات والوثائق القضائية السرية في أنظمة غير معتمدة أو غير آمنة، لما قد يترتب عن ذلك من مخاطر تمس السر المهني والثقة في العدالة.

ودعا رئيس النيابة العامة إلى تحديد صلاحيات الولوج إلى المعلومات، وضبط المسؤوليات، وتأمين الأنظمة الرقمية، مع الاستثمار في تكوين القضاة والأطر القضائية في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وحماية البيانات. كما شدد على ضرورة تطوير أدوات تقنية آمنة تخضع للتقييم المستمر والمراقبة البشرية.

وتطرح هذه المواقف تحديا يتجاوز تحديث الوسائل المعتمدة داخل المحاكم، ليصل إلى تحديد المسؤولية القانونية عند وقوع أخطاء ناجمة عن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي. فإذا قدمت أداة رقمية معلومة قانونية غير دقيقة، أو أغفلت اجتهادا قضائيا مؤثرا، أو أنتجت تحليلا لا يعكس حقيقة الوثائق المعروضة عليها، فمن يتحمل تبعات ذلك؟ وكيف يمكن التأكد من أن استخدام هذه الأدوات لا يؤثر في حقوق الدفاع أو في تعليل الأحكام؟

كما تبرز إشكالية حماية المعطيات الشخصية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملفات تتضمن تفاصيل دقيقة عن الحياة الخاصة للأفراد أو معطيات مرتبطة بالأبحاث القضائية. فإدخال هذه المعلومات إلى أنظمة لا تتوفر فيها ضمانات كافية قد يخلق مخاطر حقيقية، الأمر الذي يجعل تحديد الأدوات المسموح باستخدامها وشروط التعامل مع البيانات القضائية ضرورة لا تقل أهمية عن توفير التجهيزات الرقمية نفسها.

ولا يقل عن ذلك أهمية ضمان عدم تحول الذكاء الاصطناعي إلى وسيلة لإعادة إنتاج التحيز أو التمييز في معالجة الملفات. فالأنظمة الرقمية تعتمد على البيانات التي تُغذى بها وعلى الأساليب التي صُممت وفقها، وهو ما يستدعي إخضاع نتائجها للمراجعة والتقييم، وعدم التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية لا تقبل النقاش.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى قواعد تضمن بقاء القرار القضائي مسؤولية بشرية خالصة، وتحدد بوضوح الوظائف التي يمكن أن تؤديها التكنولوجيا بوصفها أداة مساعدة، مقابل المهام التي تتطلب تقديرا قضائيا مستقلا لا يمكن تفويضه إلى الخوارزميات.

وربط عبد النباوي هذا التوجه بالرؤية الملكية الداعمة للتحول الرقمي، مستحضرا الرسالة الملكية الموجهة سنة 2001 بشأن إدماج المغرب في مجتمع الإعلام والمعرفة، ومؤكدا أن العدالة مطالبة بأن تكون فاعلا في مواكبة التحولات الرقمية، لا مجرد متفرج عليها.

لكن تنزيل هذا التوجه داخل المحاكم يقتضي أكثر من إعلان الرغبة في التحديث؛ فهو يحتاج إلى قواعد عملية تحدد شروط الاستخدام، وتضمن أمن المعلومات، وتوضح المسؤوليات، وتوفر التكوين الضروري للقضاة والموظفين، وتخضع الأنظمة الرقمية لمراقبة مستمرة تكشف أوجه القصور قبل أن تؤثر في حقوق المتقاضين.

إن الرهان المطروح أمام العدالة المغربية لا يتمثل في الاختيار بين التكنولوجيا والإنسان، بل في إيجاد صيغة تتيح الاستفادة من التطور الرقمي من دون المساس باستقلال القضاء أو بسرية الملفات أو بضمانات المحاكمة العادلة. فالذكاء الاصطناعي قد يساعد على تسريع العمل وتحسين الوصول إلى المعلومات، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سلطة خفية تؤثر في القرارات أو تنتج نتائج لا يستطيع أصحابها تفسيرها ومراجعتها.

ومن هنا، فإن الدعوة إلى تأطير الذكاء الاصطناعي قضائيا تمثل خطوة أساسية في نقاش سيزداد أهمية خلال المرحلة المقبلة، فيما سيبقى التحدي الحقيقي مرتبطا بمدى تحويل المبادئ المعلنة إلى قواعد قانونية واضحة وإجراءات قابلة للتطبيق، تجعل التكنولوجيا في خدمة العدالة، وتحافظ في الوقت نفسه على الثقة في المؤسسات القضائية وحقوق المواطنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى