الأمن المائي في قلب التحول الجهوي… الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس تقود شراكة أوروبية كبرى وتترجم رؤية وزارة الداخلية ميدانياً

في سياق وطني يتسم بتحديات مناخية متزايدة وضغط متصاعد على الموارد الطبيعية، تبرز الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس كفاعل محوري في تنزيل الإصلاح الجديد لمنظومة تدبير الماء والكهرباء والتطهير، وفق الرؤية التي تقودها وزارة الداخلية لإرساء نموذج حكامة ترابية حديث، قائم على النجاعة، والعدالة المجالية، والاستدامة.
الاجتماع المنعقد أول أمس 26 فبراير 2026 بين الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس (SRM-FM) وممثلي الاتحاد الأوروبي والوكالة الفرنسية للتنمية لم يكن لقاءً بروتوكولياً عادياً، بل محطة تقييم استراتيجية لمسار شراكة دولية كبرى، تُراهن على تعزيز الأمن المائي، وتحديث البنيات التحتية، ومواكبة التحولات المناخية التي تفرض نفسها بقوة على جهة تعرف نمواً عمرانياً وديمغرافياً متسارعاً.
شراكة أوروبية لتعزيز الأمن المائي
الاتفاقيات الموقعة مع الاتحاد الأوروبي والوكالة الفرنسية للتنمية تهم بالأساس إنجاز البنيات التحتية ذات الأولوية في مجالي تزويد مياه الشرب والتطهير السائل، وهي مشاريع حيوية في جهة تعرف تفاوتات مجالية وحساسية مناخية واضحة.
هذه الشراكة لا تقتصر على تمويل مشاريع تقنية، بل تندرج ضمن رؤية أشمل تستهدف:
-
حماية الموارد المائية من الاستنزاف.
-
تقليص ضياع المياه عبر تحديث الشبكات.
-
تعزيز قدرات محطات المعالجة.
-
دعم مشاريع التطهير لحماية الأودية والفرشات المائية.
-
تحسين قدرة المدن والمراكز القروية على التكيف مع التغيرات المناخية.
وخلال الاجتماع الأخير، أكد المدير العام للشركة،محمد الشاوي، أن هذه الشراكة تمثل رافعة أساسية لضمان خدمة عمومية حديثة، فعالة وعادلة، تستجيب لتطلعات المواطنين، وتواكب الدينامية التنموية التي تعرفها الجهة،كما أشاد ممثلو الاتحاد الأوروبي والوكالة الفرنسية للتنمية بالتزام فرق العمل، مؤكدين حرصهم على مواصلة دعم تنفيذ البرنامج على مستوى كامل التراب الجهوي.
تنزيل الرؤية الجديدة لوزارة الداخلية… من التدبير التقليدي إلى الحكامة الجهوية
إحداث الشركات الجهوية متعددة الخدمات لم يكن قراراً تقنياً فحسب، بل اختياراً استراتيجياً لإعادة هيكلة قطاع حيوي ظل لعقود موزعاً بين متدخلين متعددين. واليوم، تشتغل الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس في تنسيق دائم مع سلطات ولاية الجهة و عمال الأقاليم، في إطار مقاربة مندمجة تنسجم مع التوجيهات الجديدة لوزارة الداخلية الرامية إلى توحيد التدبير، وترشيد النفقات، وتحسين جودة الخدمات.
هذا النموذج الجديد يقوم على الانتقال من منطق التدبير المجزأ إلى منطق المقاولة العمومية الجهوية ذات الرؤية الشمولية، القادرة على التخطيط بعيد المدى، وتعبئة التمويلات، وتنفيذ مشاريع كبرى وفق معايير الحكامة والشفافية.
والواقع أن التنسيق اليومي بين إدارة الشركة ومصالح ولاية جهة فاس–مكناس لم يعد خياراً، بل أصبح ركيزة أساسية لضمان سرعة التدخل، وتحديد الأولويات، ومواكبة المشاريع المهيكلة التي تهم الماء الشروب، التطهير السائل، وشبكات الكهرباء.
مواجهة الفيضانات… تدخلات ميدانية رفعت المحنة عن الساكنة
إذا كانت الاستراتيجية تُرسم في الاجتماعات، فإن فعاليتها تُقاس في الميدان. وقد برز دور الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس بوضوح خلال فترات التساقطات المطرية القوية التي عرفتها بعض مناطق الجهة، حيث تم تسجيل تدخلات ميدانية مكثفة لمعالجة اختلالات شبكات التطهير وتصريف المياه.
فرق الشركة، بتنسيق مباشر مع السلطات المحلية والوقاية المدنية، عبأت موارد بشرية وتقنية مهمة لفتح القنوات المسدودة، وضخ المياه من الأحياء المتضررة، ومعالجة الأعطاب الطارئة في وقت قياسي. هذه التدخلات لم تكن آنية فقط، بل أفرزت برامج استعجالية لإعادة تأهيل النقاط السوداء التي كشفتها الفيضانات.
النتائج كانت ملموسة: تقليص مدة غمر بعض الأحياء، الحد من الأضرار المادية، واستعادة الخدمات الأساسية في آجال قصيرة. وهو ما ساهم في رفع المعاناة عن الساكنة المتضررة، وأعاد الثقة في قدرة المؤسسة على التدخل السريع والفعال.
حكامة داخلية وإدارة ميدانية فعالة
نجاح هذه الأوراش لا يرتبط فقط بحجم التمويلات، بل بقدرة الإدارة على التتبع والتنسيق. ويبرز هنا الدور الذي يلعبه المدير العام للشركة، إلى جانب مختلف المدراء و الأطر الإدارية والتقنية، في ضمان انسجام المصالح، وتسريع مساطر الإنجاز، وضبط الأولويات.
المصالح التقنية والهندسية تشتغل وفق مخططات دقيقة، بينما تتولى المصالح الإدارية والمالية تأمين شروط الحكامة والشفافية. هذا التكامل بين القرار الإداري والتنفيذ الميداني هو ما يمنح الشركة قدرة على التحرك بمرونة في مواجهة الطوارئ، وفي الآن نفسه التخطيط لمشاريع استراتيجية بعيدة المدى.
منطق الاستباق بدل رد الفعل
أحد أبرز التحولات التي يعرفها تدبير قطاع الماء والتطهير بالجهة هو الانتقال من سياسة التدخل بعد وقوع الأزمة، إلى منطق الاستباق. فالمشاريع الممولة في إطار الشراكة الأوروبية تركز على تقوية الشبكات، وتوسيع طاقة الاستيعاب، وتحسين محطات المعالجة، بما يقلل من مخاطر الفيضانات والتسربات مستقبلاً.
كما أن إدماج البعد البيئي في كل مشروع أصبح قاعدة لا استثناء. فالتطهير السائل لم يعد مجرد تصريف للمياه، بل آلية لحماية الأوساط الطبيعية، وضمان استدامة الموارد، خاصة في ظل تراجع التساقطات وارتفاع درجات الحرارة.
نموذج تنموي جهوي قائم على الأمن المائي
في العمق، تجسد هذه الشراكة الاستراتيجية بين الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس والاتحاد الأوروبي والوكالة الفرنسية للتنمية التزاماً مشتركاً ببناء نموذج تنموي مستدام. نموذج يضع الأمن المائي في صلب الأولويات، ويربط بين البنية التحتية وجودة الحياة، وبين الحكامة الترابية والعدالة الاجتماعية.
فالماء والكهرباء والتطهير ليست خدمات تقنية فحسب، بل عناصر أساسية للاستقرار الاجتماعي وجاذبية الاستثمار. وكلما تحسنت هذه الخدمات، تعززت ثقة المواطنين، وارتفعت قدرة الجهة على استقطاب مشاريع صناعية وسياحية وعمرانية.
ورش مستمر وتحديات متجددة
الطريق ما يزال طويلاً، والتحديات المناخية والديمغرافية تفرض يقظة دائمة. غير أن ما تحقق إلى اليوم يعكس مساراً واضح المعالم: شركة جهوية تشتغل في تنسيق مؤسساتي محكم مع سلطات الولاية و عمال الأقاليم و لجان اليقضة،و تنزل رؤية وزارة الداخلية الجديدة في تدبير القطاعات الحيوية وتقديم خدمات بجودة عالية للمواطنين، وتعزز شراكات دولية قوية لخدمة الأمن المائي والتنمية المستدامة.
بين التخطيط الاستراتيجي والتدخل الميداني، وبين الشراكات الدولية والالتزام المحلي، تتشكل ملامح مرحلة جديدة في تدبير الماء والكهرباء والتطهير بجهة فاس–مكناس. مرحلة عنوانها النجاعة، والاستباق، وخدمة المواطن أولاً وأخيراً.






