الأمن السيبراني ركيزة أساسية للتحول الرقمي وحماية المؤسسات من التهديدات المتصاعدة

شدد الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإدارة الدفاع الوطني، عبد اللطيف لوديي، على أن حماية الأنظمة المعلوماتية وتعزيز قدرتها على مواجهة الهجمات السيبرانية أصبحت ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات الرقمية المتسارعة، ولم تعد مجرد خيار تقني أو تكلفة إضافية تتحملها المؤسسات.
وجاء موقف المسؤول الحكومي خلال افتتاح الأسبوع الوطني للأمن السيبراني، المنظم بالرباط من 12 إلى 14 أكتوبر الجاري، بمبادرة من المديرية العامة لأمن نظم المعلومات التابعة لإدارة الدفاع الوطني، تحت شعار «الأمن السيبراني في خدمة التحول الرقمي والتنمية»، بمشاركة مسؤولين وخبراء ومتخصصين في المجال.
وأكد لوديي أن التحول الرقمي، باعتباره رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، لا يمكن أن يحقق أهدافه دون توفير بيئة رقمية آمنة وموثوقة، قادرة على حماية البيانات وضمان استمرارية الخدمات والأنشطة، في ظل التزايد المستمر للمخاطر التي تستهدف الأنظمة المعلوماتية.
واعتبر الوزير أن الهجمات السيبرانية انتقلت من دائرة التهديدات المحتملة إلى واقع ملموس تواجهه مختلف الدول، بما فيها الدول المتقدمة، مخلفة أضرارا تؤكد أن المؤسسات العمومية والخاصة مطالبة بإعادة النظر في أساليب تدبير المخاطر الرقمية، وإدماج الأمن المعلوماتي ضمن منظومة الحكامة والتخطيط الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، أوضح أن حماية الأنظمة الرقمية لم تعد شأنا تقنيا محصورا في المصالح المختصة، بل أصبحت مسؤولية مؤسساتية ترتبط باستمرارية العمل وحماية المصالح والبيانات، فضلا عن الحفاظ على الثقة في الخدمات الرقمية.
من التدخل بعد الهجمات إلى الاستباق والجاهزية
ودعا لوديي إلى تجاوز المقاربات التي تكتفي بالتعامل مع الحوادث السيبرانية بعد وقوعها، مؤكدا ضرورة اعتماد سياسة استباقية ترتكز على الاستعداد المسبق، والرصد المبكر، وسرعة الاستجابة، وتقييم مدى جاهزية الأنظمة لمواجهة التهديدات المحتملة.
وشدد على أن هذه المقاربة ينبغي أن تنطلق من مستويات القرار العليا داخل المؤسسات، وأن تشمل مختلف المصالح والوحدات، مع تحديد المسؤوليات وفق الاختصاصات والمهام، بما يضمن إدماج الأمن السيبراني في التدبير اليومي وفي القرارات المرتبطة بالاستثمار والتحديث الرقمي.
وأوضح أن مواجهة المخاطر المتنامية تستدعي مواصلة العمل وفق رؤية وطنية واضحة، تحدد الأولويات وتؤطر تدخلات مختلف الفاعلين، مع تعزيز التنسيق بينهم وتطوير الوسائل الضرورية لحماية المنظومة الرقمية الوطنية.
وتقوم هذه الرؤية، بحسب المسؤول الحكومي، على خمسة محاور مترابطة، تشمل تطوير الإطار القانوني والتنظيمي بما يوضح المسؤوليات والالتزامات ويواكب تطور التهديدات، وتأهيل الموارد البشرية وتعزيز الإمكانات التقنية والمالية، ونشر الوعي وترسيخ ثقافة الأمن السيبراني، وتقوية قدرات الرصد والحماية والاستجابة، إلى جانب توسيع التعاون الإقليمي والدولي.
وفي معرض حديثه عن توزيع المسؤوليات، أكد لوديي أن بناء منظومة وطنية فعالة لا يتحقق بجهود جهة واحدة، موضحا أن المديرية العامة لأمن نظم المعلومات تضطلع بالاختصاصات المخولة لها قانونا، فيما يتحمل كل مالك لنظام معلومات مسؤولية حماية نظامه وتوفير الموارد اللازمة لتأمينه.
واعتبر أن تكامل الأدوار بين المؤسسات والهيئات المختصة ومختلف مستغلي الأنظمة المعلوماتية يمثل مدخلا أساسيا لتعزيز الصمود الجماعي، والحد من آثار الهجمات التي قد تستهدف البنيات الرقمية والخدمات الأساسية.
أربعة رهانات استراتيجية للمرحلة المقبلة
وحذر الوزير من التعامل مع الأمن السيبراني باعتباره مشروعا مؤقتا ينتهي باستكمال إجراءات تقنية محددة، مبرزا أن حماية الفضاء الرقمي عملية مستمرة تفرضها الطبيعة المتغيرة للتهديدات وتطور أساليب المهاجمين.
وأكد أن الحفاظ على مستوى مرتفع من الأمان يستوجب رفع درجة اليقظة، وتحيين وسائل الحماية بانتظام، واختبار جاهزية الأنظمة، فضلا عن الاستعداد للتهديدات المستقبلية، بدل الاقتصار على معالجة المخاطر المعروفة حاليا.
وفي هذا الإطار، حدد لوديي أربعة رهانات رئيسية يتعين منحها الأولوية خلال المرحلة المقبلة، أولها تكوين وتأهيل الكفاءات المتخصصة في الأمن السيبراني، بما يستجيب لحاجيات المؤسسات الوطنية من الخبرات التقنية القادرة على رصد الهجمات والتعامل معها.
ويتمثل الرهان الثاني في دعم الشركات الوطنية العاملة في مجال الأمن السيبراني، بما يساهم في تطوير الخبرة المحلية وتعزيز القدرات الوطنية في مجال الحلول والتقنيات المرتبطة بحماية الأنظمة المعلوماتية.
أما الرهان الثالث، فيتعلق بتأمين البنيات التحتية ذات الأهمية الحيوية، بالنظر إلى ما قد يترتب عن استهدافها من انعكاسات على استمرارية الخدمات والمرافق الأساسية. ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة في ظل توسع الاعتماد على الأنظمة الرقمية في تدبير قطاعات حيوية وتبادل البيانات وإنجاز الخدمات.
ويهم الرهان الرابع التحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي في علاقته بالأمن السيبراني، إذ أشار لوديي إلى أن هذه التكنولوجيا يمكن أن يستغلها المهاجمون لتطوير وسائلهم، لكنها توفر في المقابل إمكانات واعدة أمام الجهات المكلفة بالحماية، من خلال تحسين الكشف المبكر عن التهديدات وتسريع تحليلها والاستجابة لها.
ويبرز هذا التوجه، وفق مضامين كلمة الوزير، أهمية مواكبة التطور التكنولوجي بقدرات بشرية وتقنية وتنظيمية قادرة على الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي، مع الاستعداد للمخاطر التي قد ترافق انتشارها.
التعاون الدولي وتعزيز الحضور المغربي
وعلى المستوى الخارجي، أكد لوديي أهمية التعاون الإقليمي والدولي في مواجهة التهديدات السيبرانية، التي تتجاوز بطبيعتها الحدود الجغرافية وتتطلب تبادل الخبرات والمعلومات وتنسيق الجهود بين الدول والمؤسسات المختصة.
وأشار إلى أن المغرب يحرص، في إطار الرؤية الملكية للملك محمد السادس، على الانخراط الفاعل في المبادرات والآليات الدولية الرامية إلى تعزيز التعاون في هذا المجال، مع إيلاء اهتمام خاص للمحيطين الإفريقي والعربي.
ويعكس هذا التوجه الحاجة إلى تطوير شراكات قادرة على مواكبة التحولات الرقمية، وتبادل التجارب في مجال حماية الأنظمة المعلوماتية، وتعزيز القدرات المشتركة لمواجهة المخاطر المتنامية، في ظل الترابط المتزايد بين البنيات الرقمية على الصعيد العالمي.
وخلص الوزير إلى أن بناء فضاء رقمي آمن يظل مسؤولية جماعية تستدعي استمرار التنسيق والاستثمار في الكفاءات وترسيخ ثقافة اليقظة والاستباق، معتبرا أن الثقة في البيئة الرقمية لا تنفصل عن قدرة مختلف المتدخلين على حماية الأنظمة وضمان استمرارية الخدمات.
وتتواصل فعاليات الأسبوع الوطني للأمن السيبراني إلى غاية 14 أكتوبر الجاري، من خلال برنامج يتضمن موائد مستديرة وورشات متخصصة للنقاش وتبادل الخبرات بشأن أبرز التحديات التي يطرحها الأمن السيبراني، بمشاركة صناع القرار والخبراء والمهنيين، في إطار الجهود الرامية إلى مواكبة التحول الرقمي وتعزيز أمن المنظومة المعلوماتية الوطنية.






