لقد أثارت صور الفنانات اللاتي قدمن عروضاً راقصة بملابس اعتبرها الجمهور “غير محتشمة” في منطقة محافظة مثل تاونات، موجة استياء عارمة. هذه “الاختيارات الفنية” التي وصفت بـ”الغريبة” عن سياق المهرجان وهوية المنطقة، عكست تناقضاً صارخاً بين الميزانيات الضخمة التي تصرف على مثل هذه الفعاليات، وبين الواقع المزري الذي يعيشه إقليم تاونات على صعيد التنمية.
ففي الوقت الذي يتلهف فيه السكان المحليون للاحتفاء بفنهم الأصيل، ويأملون في أن يساهم المهرجان في تحسين أوضاعهم المعيشية، وجدوا أنفسهم أمام عروض فنية لا تتناسب مع قيمهم، بينما تظل قضاياهم الأساسية عالقة. هذا الصخب الفني، الذي يعكس رغبة في “الانفتاح” و”جذب الجماهير” بأي ثمن، بدا وكأنه محاولة لتغطية الفشل الذريع في تحقيق التنمية المنشودة.
تُعد تاونات من الأقاليم التي تعاني بشدة من غياب البنية التحتية الأساسية. فالمستشفيات في الإقليم تعاني من نقص حاد في الأطباء والمعدات، مما يضطر المرضى إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مستشفيات المدن الكبرى، في رحلات مؤلمة قد تكون قاتلة في بعض الأحيان. هذه المعاناة الصحية هي يومية وتتفاقم مع مرور الوقت، فهل من المعقول أن تصرف ملايين الدراهم على مهرجانات، بينما لا يجد المواطن مكاناً لتلقي العلاج اللائق؟
الأمر لا يتوقف عند الصحة. فمشكل الماء الشروب يعصف بالعديد من دواوير الإقليم، حيث لا يزال السكان يعانون من نقص الماء الصالح للشرب، ويضطرون لجلب الماء من مصادر بعيدة، مما يؤثر على حياتهم اليومية وعلى صحة أطفالهم. هذه القضية الأساسية، التي تعد حقاً دستورياً للمواطن، تبدو وكأنها خارج حسابات المسؤولين.
كما أن الطرق في إقليم تاونات لا تزال في حالة يرثى لها، مما يعيق حركة التنقل ويؤثر سلباً على التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمنطقة. فهل يمكن الحديث عن تنمية حقيقية في ظل غياب طرق لائقة تربط القرى والمداشر بالمدن، وتسهل على الفلاحين تسويق منتجاتهم، وعلى التلاميذ الوصول إلى مدارسهم؟
تُحمل المجالس المنتخبة المحلية مسؤولية مباشرة في هذا الإلل التنموي. فهي الجهة المخولة لها وضع البرامج التنموية وتنفيذها، وتحديد الأولويات التي تخدم مصالح الساكنة. إن صمت هذه المجالس أمام هذه المشاكل العويصة، وتفضيلها للمظاهر الاحتفالية على حساب المشاريع التنموية الحيوية، يضع علامة استفهام كبرى حول مدى التزامها بمهامها التمثيلية والتنموية.
من جانبها، لا تقل وزارة الثقافة والشباب والتواصل (قطاع الثقافة) مسؤولية. ففي الوقت الذي تدعم فيه المهرجانات الثقافية والفنية، كان من المفترض أن تضمن أن هذه الفعاليات تخدم التنمية الشاملة للمناطق، وأن لا تأتي على حساب الحقوق الأساسية للمواطنين. إن عدم وجود تنسيق فعال بين القطاعات الحكومية والمجالس المنتخبة يساهم في هذا التناقض الصارخ بين الاحتفالات الفنية والواقع التنموي المرير.
إن الانتقادات المتصاعدة لمهرجان الطقطوقة الجبلية بتاونات لا تعبر فقط عن رفض لـ”اختيارات فنية” غير موفقة، بل هي صرخة مدوية تطالب بالتنمية الحقيقية في إقليم يعاني من التهميش. إن الأوان قد حان لكي تُراجع المجالس المنتخبة ووزارة الثقافة أولوياتهما، وأن تُوجه الميزانيات نحو المشاريع التنموية الأساسية التي تلامس حياة المواطن بشكل مباشر. فدون مستشفيات لائقة، وماء شروب، وطرق معبدة، سيبقى أي صخب فني مجرد “شطيح” على جراح إقليم يتوق إلى التنمية والعيش الكريم.