ملف الأحد : صرخات العطش: “حراك الماء” يفضح تقاعس المسؤولين رغم المبادرات الملكية بجهة فاس مكناس

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
لا صوت يعلو فوق صوت “البراميل”. لا نتحدث هنا عن براميل النفط، بل عن تلك التي يحملها أهالي القرى بجهة فاس مكناس على ظهور الدواب، أو التي يصطفون بها في طوابير طويلة، أملاً في الحصول على شربة ماء. مشهد بات يتكرر يومياً في عدة مناطق، ويُوثقه “الفايسبوك” ومنصات التواصل الاجتماعي بصور ومقاطع فيديو تشتعل كالنار في الهشيم، كاشفة عن أزمة مياه خانقة تعيشها أقاليم تاونات، مولاي يعقوب، وتازة وغيرها، بينما المشاريع تتبخر والرؤية السياسية غائبة.
رؤية ملكية ثاقبة في توفير الماء الشروب
الغريب في الأمر، والمثير للأسف، أن هذه الأزمة تتفاقم في جهة كانت في صلب اهتمام جلالة الملك محمد السادس، الذي كانت له رؤية ثاقبة في توفير الماء الشروب. فقد دشّن جلالته، خلال رحلاته المكوكية، العديد من المشاريع المتعلقة بالماء، وكانت زيارته التاريخية إلى إقليم تاونات عام 2010 محطة فارقة. ففي تلك الزيارة، تم تدشين مشاريع مهمة على سد الوحدة، كان من المفترض أن تضمن ولوج عدد كبير من القرى للماء الشروب. لكن ما حدث بعد ذلك كان صادمًا: تأخر في التنفيذ، وتغييب متعمد لعدة قرى لم تستفد بتاتًا من هذه المشاريع.
هنا، يطرح السؤال نفسه بقوة: من يقف وراء تأخير المشاريع الملكية؟ فالجهود الملكية المبذولة في مجال توفير الماء كانت ولا تزال محط إشادة واسعة، لما تعكسه من حرص على تلبية الحاجيات الأساسية للمواطنين. لقد كانت المبادرات الملكية دومًا سباقة في تحديد الأولويات التنموية للمغرب، ومن بينها توفير الماء الصالح للشرب لكل المغاربة. إن تدشين جلالة الملك لمشاريع السدود وتوصياته المتكررة بشأن ترشيد استهلاك الماء وتدبيره المستدام، هي دليل واضح على هذه الرؤية المتبصرة. لكن للأسف، هذه الرؤية تصطدم في الميدان بواقع مرير قوامه التقاعس والتماطل وغياب المتابعة الجادة.
فالمشاريع التي كان من المفترض أن ترى النور وتغير حياة الآلاف من الساكنة في هذه المناطق، بقيت حبرًا على ورق، أو لم يتم استكمالها بالشكل المطلوب. هذا التأخير ليس مجرد خطأ إداري عابر، بل هو إهدار لجهود ملكية سامية، وحرمان للمواطنين من حقهم الأساسي في الماء، وهو ما يستدعي فتح تحقيق معمق وشامل لتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين. لا يعقل أن تكون هناك إرادة ملكية قوية لتجاوز مشكل العطش، بينما تظل بعض الجهات والمسؤولين حجر عثرة أمام تحقيق هذه الأهداف النبيلة.
وعود عابرة ومشاريع تتلاشى: من الشركاء الدوليين إلى التبريرات الواهية
لم تقتصر إشكالية توفير الماء بجهة فاس مكناس على المشاريع المحلية وحسب، بل امتدت لتشمل حتى تلك التي كانت بشراكة مع وكالات دولية متخصصة في التنمية. فقد ظهر جليًا أن العديد من هذه المشاريع توقفت هي الأخرى بسبب التقاعس، وغياب التفاعل، والتماطل في الإنجاز. هذه الشراكات الدولية التي كان من المفترض أن تعزز البنية التحتية المائية وتوفر حلولاً مستدامة، وجدت نفسها أمام جدار من البيروقراطية والإهمال، مما أدى إلى تبخر الملايير من الأموال التي رصدت لها، وإهدار فرصة حقيقية لتحسين ظروف عيش السكان.
المفارقة المؤلمة هي أن هذه الجماعات التي تعيش على وقع العطش باتت اليوم تعيش “حراك الماء”. هو حراك شعبي تلقائي، تعبر عنه حناجر المواطنين وصورهم الموثقة على الشبكات الاجتماعية، يطالبون فيه بأبسط حقوقهم. في المقابل، يقدم المنتخبون تبريرات واهية، ويحاولون الهروب إلى الأمام، متجاهلين حجم المعاناة التي يعيشها سكان دوائرهم. لقد أصبحت الوعود مجرد كلام عابر، والمشاريع مجرد أرقام على الورق، بينما الحقيقة المرة تتمثل في صهاريج فارغة، ونساء يقطعن كيلومترات لجلب الماء، وأطفال لا يعرفون معنى “الحنفية” في بيوتهم.
مجالس منتخبة في قفص الاتهام: مسؤولية لا مفر منها
إن المجالس المنتخبة بجهة فاس مكناس، من مجالس الأقاليم إلى مجموعات الجماعات والجماعات الترابية وصولاً إلى مجلس الجهة، تتحمل مسؤولية كاملة ومباشرة في هذا الوضع المزري. فالماء الشروب ليس مجرد مشروع ثانوي، بل هو من صلب الاختصاصات والمشاريع ذات الأولوية القصوى التي كان من المفترض أن تحظى باهتمامهم وتخطيطهم. لقد فشلت هذه المجالس، التي يثق فيها المواطنون لتمثيلهم وتدبير شؤونهم المحلية، في ضمان أبسط حقوق الساكنة. ففي الوقت الذي تُصرف فيه الملايير من ميزانيات هذه الهيئات على مشاريع قد تكون أقل أهمية، يظل المواطن في صراع يومي مع العطش. هذا التقاعس ليس مجرد إهمال، بل هو خذلان للمواطنين وإهدار للمال العام، ويتطلب فتح تحقيقات جدية ومحاسبة صارمة لكل من تبث تورطه في هذا التقصير الفاضح.
مسؤولية المكتب الوطني للماء وسياسة التماطل
إن المتتبع لواقع الماء في جهة فاس مكناس لا يمكنه إلا أن يضع المكتب الوطني للماء الصالح للشرب والكهرباء (ONEE) في قفص الاتهام، فهو يتحمل مسؤولية كبيرة في نهج سياسة التماطل وغياب الفعالية. فالمكتب، بصفته المؤسسة العمومية المسؤولة عن توفير الماء الشروب، مطالب بأن يكون في طليعة الجهود المبذولة، لا أن يكون جزءًا من المشكل. فالتقارير المحلية والشواهد الميدانية تؤكد أن المكتب يتسم ببطء شديد في الاستجابة للمطالب، وتأخر غير مبرر في إنجاز المشاريع، بل وأحياناً في صيانة الشبكات القائمة التي تعاني من الإهمال والتآكل، مما يؤدي إلى هدر كميات كبيرة من الماء.
هذا التماطل لا يقتصر على المشاريع الكبرى، بل يمتد إلى أبسط الأمور المتعلقة بصيانة الشبكات وتوصيل الماء للقرى النائية. فالعديد من المشاريع التي رصدت لها الملايير من المال العام لم تنفذ قط، أو بقيت حبيسة الأدراج، بينما تلك التي أنجزت، غابت عنها الصيانة بشكل كلي، مما جعلها عرضة للتلف وسرعة الاستهلاك. هذا الوضع يدفعنا للتساؤل عن آليات الرقابة والمحاسبة داخل هذه المؤسسة، وعن مدى التزامها بالخدمة العمومية المنوطة بها.
مطالب شعبية تفرض نفسها: دعوة لوزير الداخلية ولجان التفتيش
إن ما يشهده “الفايسبوك” ومنصات التواصل الاجتماعي من صور وفيديوهات توثق معاناة العطش، ليس مجرد شكاوى فردية، بل هو صرخة جماعية، و”فضيحة” تكشف عن التقصير الفادح في تدبير هذا الملف الحيوي. لقد أصبح واضحًا أن تصريحات بعض المسؤولين، ومنهم وزير الداخلية الذي تحدث في البرلمان على أن “المغاربة كلهم يستفيدون من ربط مياه الشرب”، بعيدة كل البعد عن الواقع المعاش في العديد من مناطق جهة فاس مكناس.
لقد حان الوقت لكي يتفاعل وزير الداخلية مع المطالب الشعبية، وأن ينزل بـلجان تفتيش إلى العمالات والأقاليم المتضررة للوقوف على التقصير الذي فضحه “الفايسبوك”. هذه اللجان يجب أن تكون مستقلة ومحايدة، ومهمتها كشف الاختلالات والتجاوزات، وتحديد المسؤوليات بدقة وشفافية. فالأمر لا يتعلق بمسألة رفاهية، بل هو حق أساسي من حقوق الإنسان، والحق في الولوج إلى الماء الشروب يجب أن يكون مضمونًا لكل مواطن، بغض النظر عن مكانه الجغرافي.
إن تماطل المسؤولين، وهروبهم من مواجهة المشكل، وتبريراتهم الواهية، لم يعد مقبولاً. فالاستثمار الذي بذلته الدولة في قطاع الماء، والمبادرات الملكية السامية، يجب أن تحمى من أي تلاعب أو تقصير. إن ما يحدث اليوم في جهة فاس مكناس هو دعوة صريحة لإعادة النظر في سياسات تدبير الماء، ومحاسبة كل من يتحمل مسؤولية هذا الوضع المزري. فالشعب لم يعد يقبل بالوعود الفارغة، بل يطالب بحلول ملموسة وواقعية تضمن له شربة ماء نظيفة وكريمة.
العطش يهدد التنمية ويدق ناقوس الخطر
إن أزمة الماء بجهة فاس مكناس، وما يصاحبها من “حراك الماء” وتزايد لصور العطش على وسائل التواصل الاجتماعي، ليست مجرد مشكلة محلية عابرة، بل هي مؤشر خطير يدق ناقوس الخطر بخصوص مدى فاعلية الحكامة المحلية، وجدية الالتزام بالمشاريع التنموية، ومدى احترام الحقوق الأساسية للمواطنين. إنها صرخة مدوية يجب أن تستفيق لها كل الجهات المسؤولة، من منتخبين وإدارات عمومية، لأن الماء هو شريان الحياة، وغيابه يعني تهديدًا مباشراً للاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية.
إن تتبع المشاريع الملكية، وضمان تنفيذها في الآجال المحددة وبشكل كامل، وفتح تحقيق معمق في أسباب التقاعس والتماطل، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في إهدار المال العام والتسبب في حرمان المواطنين من حقهم في الماء، بات ضرورة ملحة ولا يمكن تأجيلها. فلا يعقل أن تبقى “براميل” العطش هي الصوت الأعلى في جهة من المفترض أنها تحظى بالاهتمام الملكي وبميزانيات ضخمة. حان الوقت لتتحول الصرخات إلى أفعال، ولتنساب المياه بسلاسة نحو كل بيت، فالحياة لا تستقيم بدون ماء.






