مركب الحرية الثقافي بفاس…خمس سنوات من الإغلاق ومطالب بتدخل والي الجهة لفتح “العلبة السوداء” وكشف اختلالات مشروع التهيئ

بعد أزيد من خمس سنوات على إغلاقه، ما يزال مركب الحرية الثقافي بمدينة فاس يراوح مكانه، في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام داخل الأوساط الثقافية والفنية بالعاصمة العلمية. فالمرفق الذي كان إلى وقت قريب قبلة للأنشطة المسرحية والندوات الفكرية والمهرجانات الفنية، تحول إلى بناية مغلقة، رغم تخصيص اعتمادات مالية مهمة لإصلاحه ضمن برمجة سنة 2022/2023.
وبحسب معطيات متداولة في الأوساط المحلية، فإن مجلس جماعة فاس سبق أن أدرج صفقة لإعادة تأهيل المركب ضمن برامجه الاستثمارية، غير أن الأشغال لم تفضِ إلى إعادة فتحه أمام العموم، ما أبقى الوضع على حاله، وأجج غضب الفاعلين الثقافيين الذين يعتبرون استمرار الإغلاق “نكسة حقيقية” في مسار مدينة تُصنف تاريخياً كعاصمة روحية وثقافية للمملكة.
مشروع إصلاح… وواقع متعثر
المركب الذي احتضن على مدى سنوات أنشطة ثقافية وازنة، كان من المفترض أن يخضع لإعادة تهيئة شاملة تشمل البنيات التقنية، قاعة العروض، أنظمة الصوت والإنارة، إضافة إلى تحسين شروط السلامة والاستقبال. غير أن تعثر الأشغال، وتغيير بعض المتدخلين في المشروع وفق ما يتم تداوله، أديا إلى تأخر غير مبرر في استكمال الورش.
فاعلون جمعويون بالمدينة أكدوا أن الغموض الذي يلف مسار المشروع، سواء من حيث آجال التنفيذ أو مآل الاعتمادات المرصودة، يطرح أكثر من تساؤل حول الحكامة والتتبع، خاصة وأن المركب ظل مغلقاً في وجه الفرق المسرحية والجمعيات الثقافية التي كانت تعتمد عليه كفضاء رئيسي لبرمجة أنشطتها.
“كيف لعاصمة ثقافية بدون مركب ثقافي؟”
أحد الفاعلين الثقافيين بفاس تساءل بمرارة: “كيف لمدينة بحجم فاس، بتاريخها العلمي والفني، أن تبقى بدون مركب ثقافي جاهز للاحتضان؟”، معتبراً أن استمرار الوضع الحالي يضرب في العمق صورة المدينة وإشعاعها الثقافي، ويضعف الدينامية الإبداعية لشبابها.
ويؤكد مهتمون أن غياب هذا الفضاء دفع العديد من الجمعيات إلى البحث عن بدائل محدودة الإمكانيات، أو تقليص أنشطتها بسبب غياب فضاء مجهز تقنياً بمعايير احترافية. كما أن بعض التظاهرات الفنية التي كانت تستقطب جمهوراً واسعاً اضطرت إلى تغيير مقراتها أو تعليق برامجها.
مطالب بتدخل الوالي وفتح التحقيق
أمام هذا الوضع، تعالت أصوات مطالبة بتدخل والي جهة فاس مكناس، خالد آيت طالب، من أجل فتح تحقيق إداري ومالي لكشف ملابسات التأخر، وتتبع مسار الصفقة المتعلقة بإصلاح المركب، وتحديد المسؤوليات في حال ثبوت وجود اختلالات.
الفاعلون شددوا على ضرورة “فتح العلبة السوداء” للمشروع، وتقديم معطيات واضحة للرأي العام حول الكلفة الإجمالية، ونسبة تقدم الأشغال، والآجال الجديدة لإعادة الافتتاح، في إطار تكريس مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما طالبوا بتسريع وتيرة الأشغال، وتحديد موعد رسمي لإعادة فتح المركب، بما يعيد الثقة في المؤسسات المنتخبة ويؤكد أن المشاريع الثقافية تحظى بالأولوية نفسها التي تُمنح لباقي الأوراش التنموية.
رهانات ثقافية وتنموية
إن استمرار إغلاق مركب الحرية الثقافي لا يمثل مجرد تعثر تقني، بل ينعكس بشكل مباشر على المشهد الثقافي المحلي، وعلى قدرة المدينة على احتضان الفعاليات الكبرى واستقطاب التظاهرات الوطنية والدولية. فالثقافة اليوم لم تعد ترفاً، بل رافعة تنموية واقتصادية وسياحية.
ويرى متتبعون أن إعادة فتح المركب في أقرب الآجال، بعد استكمال إصلاحه وفق معايير حديثة، من شأنها أن تعيد الحيوية إلى الوسط الثقافي، وتوفر منصة حقيقية للمواهب المحلية، وتدعم صورة فاس كمدينة للعلم والفن والإبداع.
وبين وعود الإصلاح وواقع الإغلاق، يبقى السؤال معلقاً: متى يستعيد مركب الحرية الثقافي دوره الطبيعي في قلب العاصمة العلمية؟ ومتى تُحسم الإشكالات التي رافقت مشروع تهيئته؟ الإجابة، بحسب الفاعلين، رهينة بتدخل حازم يعيد الأمور إلى نصابها، ويضع حداً لسنوات من الانتظار الثقيل.






