كرونولوجيا: نحر الأضحية يعجل بإطاحة و إنهاء مهام”الجامعي” والي فاس-مكناس: قراءة هادئة في نهاية سريعة

لا صوت يعلو فوق صوت الإعفاء الذي طال والي جهة فاس-مكناس، معاذ الجامعي، في سياق حافل بالإشارات والقراءات المتعددة، جاءت ذروته في يوم عيد الأضحى، حينما حضرت الأضحية إلى المصلى، رغم الإحاطة الملكية التي دعت إلى تعليق شعيرة النحر في السياق الوطني الحالي.
ما بدا لحظة بروتوكولية مألوفة، سرعان ما تحوّل إلى عنوان دقيق لاختلال في قراءة إشارات الدولة، خاصة حينما يتعلق الأمر بقرار صادر عن إمارة المؤمنين. وبصرف النظر عن المسؤوليات المتعددة التي قد تتوزع على عدة أطراف في النازلة، إلا أن موقع الوالي، باعتباره الممثل الأول للسلطة المركزية في الجهة، جعله في واجهة المساءلة السياسية والإدارية.
قدوم معاذ الجامعي إلى جهة فاس-مكناس تمّ قبل أزيد من ثمانية أشهر، في انتقال من ولاية جهة الشرق التي عُرفت خلالها الولاية بسياقات اجتماعية مشحونة، وأوضاع معقدة. وعند حلوله بفاس، دخل الرجل مندفعًا، بخطاب مفعم بالحيوية والاتصال المباشر، لكنه أيضًا محاط بمظاهر شعبوية لم تكن دائمًا متناغمة مع هيبة المنصب وحدود البروتوكول المؤسساتي.
بعض الملاحظين اعتبروا أن شخصية الوالي افتقدت إلى الحضور الكاريزمي الذي طبع أسماء سابقة مرت من نفس المنصب، مثل سعيد أزنيبر أو الدردوري، واللذَين طبعا المرحلة بحزم إداري ومواجهة صريحة مع جيوب الفساد.
منذ أسابيعه الأولى، نسج الوالي الجامعي شبكة من العلاقات محليًا، ضمّت أطرافًا متباينة الخلفيات، من منتخبين إلى فاعلين اقتصاديين، ومن وجوه اعتادها الرأي العام المحلي في سياقات غير بعيدة، إلى أشخاص لفظهم المسار العام للمدينة في محطات سابقة.
ولم يغب عن المتابعين انفتاح واسع وغير معتاد للوالي على فئات سياسية واقتصادية تعتبر نفسها “مستثمرة” بالمدينة، في حين توارت معايير الاحتراز المؤسساتي، وبرز حضور قوي لبطانة السوء و لبعض الوجوه التي ارتبط اسمها بممارسات مشبوهة في فترات سابقة.
وقد رُصد الوالي في أماكن عمومية عديدة، بين صالات رياضية ومراكز تدليك، ووسط ملعب كرة السلة و هو يتجول على الجوانب و يحي الجمهور في تجاوز سارخ لمفهوم برتكول الدولة ،مما أثار تساؤلات حول مدى انسجام تلك الأنشطة مع مقتضيات اللحظة الإدارية الدقيقة، ومع حجم الانتظارات التنموية والاجتماعية لساكنة الجهة،التي مازالت تعاني عدة مشاكل و بدون حلول تذكر.
العودة المقلقة لبعض الممارسات التي سبق أن حوصرت في فترات سابقة، بدت لافتة خلال مرحلة الجامعي. من خطاب سياسي متوتر في بعض المجالس المنتخبة، إلى بروز مؤشرات على تقهقر دور المراقبة الإدارية، وعودة بعض رموز الفساد المحلي إلى الواجهة التي كانت قد ادخلت الى جحورها قصرا من طرف ولاة سابقون يمتلكون كاريزما كافية لتحليل نسق الانضباط و الصرامة، بعد أن كان يُعتقد أن عهدهم قد طُوي.و بات أصحاب الخمارات يتحدثون عن علاقتهم و مجالستهم و عشاء جمعهم بالمسؤول الترابي الأول الذي وعدهم بالتوقيع لهم على اي رخصة كيفما كانت تقدم له.
كل هذه المؤشرات، وإن بدت متفرقة، كانت كافية لرسم صورة مشوشة عن فعالية الإدارة الترابية، وارتباطها الصارم بخيارات الدولة وموجهاتها المركزية.
حادثة المصلى لم تكن حدثًا معزولًا، بل كانت تعبيرًا مكثفًا عن منطق إداري فُهِم أنه يشتغل خارج السياق المركزي. حضور الأضحية، واستمرار الطقوس رغم التعليق الرسمي، كانا بمثابة جرس إنذار حول عمق فجوة التنسيق، وأدى مباشرة إلى مراجعة شاملة لموقع المسؤول الترابي في فاس.
إعفاء معاذ الجامعي من مهامه بوصفه والي جهة فاس-مكناس لا يمكن قراءته فقط في ضوء حادثة عيد الأضحى، بل في إطار رؤية أوسع حول علاقة السلطة الترابية بمركز القرار، وحول قدرة الولاة على التقاط دقيق الإشارات، لا سيما في جهات ذات خصوصيات ثقافية وتاريخية متجذرة كفاس.
إنه درس إداري صارم، يعيد التأكيد على أن المسؤول الترابي ليس فقط منصبًا إداريا، بل هو أيضًا مرآة لانضباط الدولة… ومن لا يقرأ جيّدًا رسائلها، تُكتب نهايته بصمت، ولكن بوضوح شديد.






