قضايا

فيضانات المغرب: بين تعليمات ملكية صارمة ويقظة وطنية… امتحان حقيقي لإدارة الأزمات

تواصلت الفيضانات العارمة اجتياح عدة مدن مغربية منذ نهاية يناير الماضي، مسجلة مستويات قياسية في عدد من الأودية والسدود، ما دفع السلطات إلى تحذير المواطنين من العودة إلى المناطق المتضررة، وتنبيههم إلى احتمال تفاقم المخاطر خلال الأيام المقبلة في ظل استمرار ما يُعرف إعلامياً بـ”قطار العواصف”.

وقد دعت وزارة الداخلية المغربية المواطنين في الساعات الأولى من يوم الجمعة إلى أعلى درجات اليقظة والحذر، مؤكدة على ضرورة عدم العودة إلى المناطق المتضررة من الفيضانات إلا بعد استقرار الوضعية المائية، محذرة من استمرار المخاطر الهيدرولوجية وغياب مؤشرات على انحسار السيول.

الوضع الميداني: انهيار المنازل وارتفاع منسوب الأنهار

تُظهر المعطيات الرسمية أن الفيضانات تركزت بشكل كبير في أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان والقصر الكبير، حيث أدى امتلاء سد واد المخازن بنسبة 156% إلى حدوث فيضان لأول مرة، مخلفًا أضرارًا جسيمة في البنية التحتية والمنازل.

وفي إقليم تطوان، انهارت 62 منزلًا جزئيًا أو كليًا، فيما سجل دوار أغبالو بإقليم شفشاون انهيار 30 منزلاً، مع إجلاء السكان مسبقًا لتفادي الخسائر البشرية، وفق ما نقلته مصادر محلية وموقع “العمق المغربي”.

كما تم إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من الأقاليم المتضررة، ونقلهم إلى مراكز إيواء مؤقتة ومخيمات آمنة، في مناطق داخل الأقاليم نفسها أو مدن مجاورة مثل طنجة، ضمن تعبئة غير مسبوقة لمصالح الوقاية المدنية والسلطات المحلية.

تدخل الدولة والمواكبة الملكية

تأتي هذه التدخلات في إطار التعليمات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، والتي شددت على حماية الأرواح والممتلكات، وتعبئة كافة الأجهزة الحكومية والمحلية لمواجهة الكوارث الطبيعية.

وقد تم تفعيل اللجنة الوطنية لليقظة لمتابعة الوضع عن كثب، والتنسيق بين الوزارات والجهات المعنية لضمان تتبع دقيق للمناطق المتضررة، وتقديم الدعم العاجل للمواطنين. كما عملت اللجان الإقليمية لليقظة في مختلف المناطق، على رأسها العمال والولاة، على تسهيل عمليات الإجلاء، ومتابعة ارتفاع منسوب المياه في الأودية، وتأمين الطرق، وضمان وصول المواد الغذائية والطبية إلى السكان.

وفي هذا الإطار، أكد مسؤولون محليون أن فرق ميدانية قامت بأكثر من 700 تدخل منذ بداية التساقطات المطرية الغزيرة حتى 7 فبراير 2026، شملت:

  • إغاثة 230 أسرة مهددة بالغمر أو انهيار المنازل، وإيوائهم في خيام ومقار مؤقتة.

  • إعادة فتح 282 مقطعًا طرقياً ضمن الطرق الجهوية والإقليمية والمسالك القروية، بعدما جرفتها المياه أو أغلقتها الأوحال.

  • إصلاح أعطاب شبكة الماء والكهرباء والتطهير السائل، مع أكثر من 95 تدخلًا استباقيًا في جميع الجماعات الترابية.

التدخل الجوي والمساعدة الفورية

استعانت السلطات بـ مروحيات لإيصال الغذاء والإمدادات الطارئة إلى المناطق التي غمرتها السيول، مؤكدة أن هذا النهج الميداني يسمح بتخفيف المعاناة وتقديم الاستجابة الفورية لحالات الخطر، بما يعكس فعالية التنسيق بين اللجنة الوطنية والمحلية، وتطبيق استراتيجية الملك في حماية المواطنين وممتلكاتهم.

الأبعاد الزراعية والاقتصادية للفيضانات

في الوقت نفسه، أعلن المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بالغرب عن تعبئة فرق دعم للفلاحين المتضررين، في محاولة لتخفيف الخسائر الزراعية الكبيرة التي نجمت عن تدفق المياه على الأراضي المزروعة، وسط توقعات بأن تكون المرحلة القادمة حرجة على المحاصيل والنشاط الزراعي المحلي.

الدرس الاستراتيجي: الوقاية خير من العلاج

تأتي هذه الفيضانات لتؤكد على أهمية:

  • تعزيز البنية التحتية المائية ومجاري تصريف المياه؛

  • تطوير نظم الإنذار المبكر على المستوى الوطني والإقليمي؛

  • تكثيف برامج التوعية لدى المواطنين حول المخاطر؛

  • تعزيز تعاون المجتمع المدني مع السلطات المحلية لضمان استجابة فورية وفعالة.

بينما تشهد بعض المدن المغربية مثل القصر الكبير ودوار أغبالو سيولاً وانهيار منازل، فإن التعبئة الشاملة، والتدخل الميداني، وتطبيق توجيهات جلالة الملك، ومواكبة لجنة اليقظة الوطنية والمحلية، تظهر قدرة المغرب على إدارة الأزمات الطبيعية بفعالية، وتقليل الخسائر البشرية والمادية.

لكن، يبقى التحدي الأكبر الاستمرار في تعزيز الوقاية، وتحديث البنية التحتية، والاستثمار في نظم الاستجابة المستقبلية لمواجهة أي موجة فيضانية محتملة، بما يحفظ حياة المواطنين وممتلكاتهم ويصون استقرار البلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى