فضيحة مسبح القرويين بفاس.. زلزال يهز جماعة العاصمة العلمية ويضع العمدة على حافة العزل

تكشف المستجدات المحيطة بفضيحة “مسبح القرويين” التابع للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية عن واحدة من أخطر حالات استغلال المرافق العمومية لأغراض خاصة داخل جماعة فاس، بعدما تبيّن، وفق معطيات متقاطعة، أن العمدة عبد السلام البقالي تورط بشكل مباشر في تمكين جمعية يترأسها مدير المصالح الجماعية من تسيير المرفق على أساس أنه ملك خاص، وتحويله من مشروع اجتماعي موجه للفئات الهشة إلى مسبح تجاري يُدرّ أرباحاً كبيرة خارج أي إطار قانوني أو تعاقدي مصادق عليه.
وتشير مصادر محلية متطابقة إلى أن الاستفادة من خدمات المسبح كانت تتم برسوم مرتفعة تراوحت بين 1800 درهم للصغار و2500 درهم للكبار، في خرق تام للفلسفة التي أُنشئ المشروع من أجلها، باعتباره ورشاً اجتماعياً تدعمه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لخدمة أبناء الأحياء الهشة بأسعار رمزية أو مجاناً. هذا التحويل غير المشروع للمرفق، والذي تم بتزكية مباشرة من العمدة ومجلسه، يكشف تضارب مصالح خطير وإهداراً متعمداً للمال العام.
وزاد من خطورة الوضع أن جماعة فاس كانت، وفق وثائق داخلية تتداولها مصادر متعددة، هي التي تتكلف بأداء فواتير الماء والكهرباء لفائدة المسبح خلال فترة استغلاله من طرف الجمعية، وهو ما يشكل شبهة تبديد مباشر للمال العام عبر تمويل مشروع تجاري خاص بموارد جماعية يفترض أن تخصص لفائدة الساكنة. هذه المعطيات تجعل الملف مرشحاً لأن يتحول إلى قضية فساد مالي من العيار الثقيل، خصوصاً في ظل غياب أي سند قانوني يجيز تفويت المشروع للجمعية المذكورة.
وعاشت محيط المسبح أمس حالة من الارتباك والفوضى، بعدما شرعت الجمعية في استدعاء ما يفوق 400 منخرط من أجل استرجاع مستحقاتهم عبر تسليم شيكات في ظروف غير شفافة ولا تخضع لأي مسطرة رسمية، حيث تسلم عدد من المنخرطين الشيكات بالفعل، فيما تلقى آخرون وعوداً بصرفها يوم الإثنين المقبل. هذه التحركات المتسارعة زادت من تأكيد الطبيعة غير القانونية للنشاط الذي مارسته الجمعية، وأظهرت أن الأمر لم يكن يتعلق بتدبير مفوض، بل باستغلال تجاري مقنع لمرفق عمومي ممول من المال العام.
ومع تزايد المعطيات التي تكشف حجم الخروقات، تتعالى المطالب بضرورة دخول القضاء على خط الملف، وفتح تحقيق شامل تحت إشراف الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بفاس، من أجل تحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات، وعدم السماح بإغلاق قوس الفضيحة أو تركها للزوال بالنسيان. فحجم التجاوزات، وطبيعتها، وتداخلها مع مسؤولين منتخبين وإداريين، جميعها مؤشرات تجعل الإحالة على البحث القضائي خطوة ضرورية وليس خياراً سياسياً.
وفي الجانب الإداري، باتت الأنظار متجهة نحو ولاية جهة فاس مكناس، باعتبارها السلطة الوصية المخولة قانوناً لاتخاذ الإجراءات التأديبية اللازمة، وعلى رأسها توقيف مهام العمدة وإحالة ملفه على المحكمة الإدارية للنظر في قرار العزل. فتفويت مرفق تابع للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، واستعماله خارج غاياته الاجتماعية، والتهرب من المساطر القانونية، كلها أخطاء جسيمة يترتب عنها تطبيق القوانين المنظمة لتسيير الجماعات الترابية، والتي تتيح للسلطات التدخل في حالة حدوث تجاوزات تمس جوهر المرفق العمومي.
إن ما جرى داخل “مسبح القرويين” ليس حادثاً معزولاً، بل هو مؤشر على نمط في التدبير أصبح يهدد مصداقية المؤسسات الترابية وثقة المواطنين في المشاريع العمومية. واللحظة اليوم تستدعي محاسبة واضحة، واحتراماً صارماً للقانون، ووضع حد لأساليب الاستغلال والريع والتضارب الذي أضر بصورة مدينة فاس ومسار التنمية فيها. ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الرأي العام: هل سيتم التعامل مع الملف بنفس الحزم الذي يتطلبه، أم أن بعض الأطراف ستحاول طمس معالم الفضيحة وإخراجها بأقل الخسائر السياسية الممكنة؟






