سياسة

فاس على حافة الشلل الإداري.. والوالي آيت الطالب يفعّل المساطر القانونية لإعادة الانضباط داخل المجلس الجماعي

تعيش مدينة فاس، خلال الأشهر الأخيرة، واحدة من أكثر فترات الارتباك الإداري حدةً منذ اعتماد منظومة الجهوية المتقدمة، وذلك بفعل تراكم قرارات اعتبرتها السلطة الوصية غير مطابقة للقانون، وصادرة عن أجهزة داخل المجلس الجماعي، ما أدخل المدينة في دائرة اضطراب تسييري يهدد بإبطاء وتيرة التنمية المحلية وتجميد عدة مشاريع مهيكلة.

مراسلات رسمية صارمة من الوالي: بداية مرحلة جديدة من الانضباط القانوني

في تطور لافت، وجّه والي جهة فاس–مكناس، السيد خالد آيت الطالب، مراسلات رسمية إلى رئيس المجلس الجماعي، عبد السلام البقالي، طالباً منه السحب الفوري لجملة من رخص استغلال الملك العمومي الجماعي التي سجلت مصالح الولاية أنها تفتقر إلى الأساس القانوني، أو تم تسليمها بواسطة غير ذي اختصاص.

وحسب المعطيات المتوفرة، فقد اعتبرت الولاية أن بعض تلك القرارات خالفت المقتضيات الواردة في القانون رقم 57.19 الخاص بالأملاك العمومية الجماعية، فضلاً عن التجاوزات المسطرية المتعلقة بمنح الامتيازات واستغلال الفضاءات العامة.

ويؤكد هذا التحرك أن السلطات الولائية رفعت من درجة الصرامة الرقابية، في سياق الحرص على حماية الملك العام وضمان احترام القانون التنظيمي 113.14 المؤطر لاختصاصات الجماعات.

تجاوز للاختصاصات.. وتوقيعات غير مشروعة وراء جزء من الأزمة

من بين أبرز الإخلالات التي وقفت عليها الولاية، توقيع نائبة لرئيس المجلس على رخصة تتعلق بعقار لا يدخل ضمن الأملاك العمومية الجماعية، في خطوة اعتبرتها المصالح المختصة مساساً بحقوق الأغيار وخرقاً لقاعدة الاختصاص القانوني.
وبالاستناد إلى المادة 115 من القانون التنظيمي، فإن مثل هذه القرارات تعتبر باطلة حكماً، وعديمة الأثر.

هذه الوقائع زادت من قلق السلطة الوصية، التي شدّدت على أن الملك العمومي ليس مجالاً للمنح الاعتباطي أو لتبادل الامتيازات خارج إطار القانون والمنافسة الشريفة، بل ملكٌ جماعي محمي بمقتضيات تشريعية واضحة.

القضاء الإداري يدخل على الخط.. وسيف العزل يظل وارداً

لا يقف تحرك الوالي عند حدود المراسلات أو المطالبات بسحب القرارات غير القانونية، بل قد يتجاوز ذلك إلى رفع دعاوى قضائية أمام المحكمة الإدارية قصد إلغاء تلك القرارات، حمايةً للمصلحة العامة وللسير العادي للمرافق الجماعية.

وتشير سابقة مماثلة، ضمن ملف عقار بمنطقة ويسلان، إلى أن الولاية نجحت في انتزاع حكم قضائي ببطلان قرار صادر عن نائبة العمدة، كما جرى التلويح حينها بإمكانية تفعيل مسطرة العزل المنصوص عليها في المادة 64 ضد كل منتخب يثبت في حقه تعارض المصالح أو تجاوز اختصاصاته بما يضر بمصلحة الجماعة.

هذه الخلفية تجعل السيناريو القضائي الحالي مرشحاً للتصعيد، وهو ما يضع المجلس الجماعي برمته أمام مسؤولية ثقيلة قد تنتهي بإعادة ترتيب المشهد السياسي المحلي.

فاس بين إرث تاريخي عريق.. وأزمة حكامة غير مسبوقة

تعد فاس مدينة ذات رمزية وطنية خاصة، ما يجعل من الحفاظ على انتظام مرافقها وشفافية تدبيرها مسؤولية مؤسساتية لا تقبل التهاون.
وتؤكد مصادر إدارية أن استمرار إصدار قرارات غير منسجمة مع القوانين التنظيمية، أو تجاوزات في تدبير الأملاك العمومية، يهدد بتقويض أسس الحكامة المحلية، ويؤثر بشكل مباشر على جاذبية المدينة الاقتصادية والاستثمارية.

وقد مثّل تدخل الوالي آيت الطالب رسالة واضحة مفادها أن مرحلة التساهل قد انتهت، وأن أي خروج عن الضوابط التشريعية سيكون موضوع محاسبة فورية، سواء على المستوى الإداري أو القضائي.

إن ما تعرفه مدينة فاس اليوم ليس مجرد خلاف إداري بين الوصاية والجماعة، بل هو محطة مفصلية في مسار إعادة الانضباط لمنظومة التدبير المحلي.
فالمراسلات المتواترة، والدعاوى الإدارية المرتقبة، تشكل كلها إشارات قوية بأن سيادة القانون ستكون المرجع الوحيد لضبط مسار القرارات الجماعية.

ويبقى مستقبل المجلس الجماعي مرتبطاً بمدى احترامه للمقتضيات التشريعية والتنظيمية، وقدرته على الانخراط في مرحلة جديدة قوامها الحكامة، الشفافية، والمسؤولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى