“ضمان اجتماعي.. بلا ضمان”: تعثر المنصة الرقمية يكشف فشل الصندوق في حماية بيانات المغاربة وحقوقهم

تحوّل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، في الآونة الأخيرة، إلى نموذج صادم للفشل الرقمي في القطاع العمومي، بعدما تعطلت خدماته الإلكترونية بشكل شبه كامل، سواء عبر التطبيقات المخصصة للزبناء أو من خلال بوابة “ضمان كوم” التي تعتمدها الشركات، ما خلق موجة غضب واسعة وسط المواطنين والمقاولات، خصوصاً مع ارتباط هذه الخدمات بحقوق اجتماعية ومالية أساسية.
ويأتي هذا الانهيار الرقمي بعد قرار الصندوق ربط منصاته بالهوية الرقمية الوطنية التي تشرف عليها الإدارة العامة للأمن الوطني، وهو الربط الذي لم يُرفَق بأي تدابير لوجستيكية واضحة أو حملات تواصلية مواكبة، ما جعل الولوج إلى هذه المنصات شبه مستحيل، إما بسبب التوقف التام للخدمات، أو لتعقيد الإجراءات التقنية المطلوبة من المستخدمين، في غياب تام لمواكبة حقيقية للفئات الهشة أو الأقل دراية بالتكنولوجيا.
وإذا كانت الهوية الرقمية تمثل إحدى رافعات الأمن المعلوماتي والسيادة الرقمية، فإن ما حدث في حالة الضمان الاجتماعي يكشف عن عجز خطير في تنزيل هذا الورش بالشكل السليم. فالولوج إلى الخدمات الرقمية بات معطلاً لأكثر من ثلاثة أشهر، دون أن تخرج المؤسسة لتقدم تبريراً مقنعاً، أو خطة استعجالية، أو حتى اعتذاراً رسمياً للآلاف من المواطنين الذين تعطلت مصالحهم، ومنهم من حُرم من مستحقاته أو وثائقه الإدارية بسبب هذا الانقطاع الطويل.
ويزداد الوضع خطورة حين يُربط هذا التعطل بتقارير سابقة عن تسريبات خطيرة للبيانات الشخصية للمسجلين في الصندوق، دون أن يتم إلى الآن الإعلان عن أي تحقيقات أو محاسبة للمسؤولين. وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية حول جاهزية المؤسسة لحماية المعطيات الحساسة، وقدرتها على تأمين أمنها السيبراني، بدل التمادي في تعطيل مصالح المواطنين بحجة التطوير التقني.
المثير في الملف أن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي سبق له أن أبرم نهاية السنة الماضية صفقة بقيمة 53 مليون درهم مع شركة خاصة لتطوير المنصة الرقمية في إطار طلب عروض دولي، إلا أن الحصيلة –وفق ما يتم تداوله من داخل المؤسسة– كانت دون المستوى، بل إنها عمّقت الأعطاب القائمة بدل أن تحلها.
ويرى متابعون أن الخلل لا يكمن فقط في ضعف البنية التقنية، بل في غياب تصور شامل لحوكمة الخدمات الرقمية العمومية، وغياب شركاء متخصصين في الأمن السيبراني قادرين على تأمين بيانات الملايين من المغاربة الذين يضعون ثقتهم في مؤسسات الدولة.
إن فشل منصة الضمان الاجتماعي في أداء دورها الحيوي، لا يطرح فقط سؤال الكفاءة التقنية، بل أيضاً سؤال المسؤولية والمحاسبة، في وقت تُهدر فيه الميزانيات الضخمة على تطبيقات لا تعمل، ومشاريع لا تفي بوعودها، و”تحسينات” تنتهي بتعقيد الأمور أكثر مما تُصلحها.
وحدها الشفافية، والمحاسبة الجدية، والاعتماد على شركات ذات كفاءة وتجربة، يمكن أن تعيد ثقة المواطنين في مسار رقمنة الخدمات العمومية. أما الإصرار على الحلول الفوقية دون استشارة المعنيين أو مواكبتهم، فلن يؤدي إلا إلى المزيد من الأعطاب… والمزيد من فقدان الثقة.






