تعطيل تجريم تضارب المصالح… فراغ قانوني يشرعن “الاستفادة الخاصة” ويقوّض الثقة في المؤسسات

في الوقت الذي تتصاعد فيه أصوات سياسية ومدنية تطالب بإطار قانوني صارم يجرّم تضارب المصالح داخل مؤسسات الدولة، يستمر الغموض في محيط هذا الورش التشريعي الحاسم. ورغم تأكيد الحكومة منذ سنوات أنها بصدد إعداد مشروع قانون خاص بهذا الموضوع، إلا أن النص لم يغادر مرحلة الوعود، في ظل تنامي شبهات تداخل المصالح الخاصة مع تدبير الشأن العمومي داخل عدد من القطاعات الحكومية.
الفصل 36 من الدستور نصّ بوضوح على تجريم تضارب المصالح واستغلال النفوذ في تدبير المال العام والصفقات العمومية، لكنه ظل حبراً على ورق، دون وجود قانون فعلي يترجم هذا الالتزام الدستوري إلى عقوبات وإجراءات عملية.
وتعيد النقاشات البرلمانية المفتوحة حول صفقات الأدوية هذا الملف إلى واجهة الاهتمام، خاصة مع تراكم حالات مشابهة خلال السنوات الأخيرة، سواء في قطاع الطاقة أو التعليم أو الصناعة أو تحلية المياه، مما يعزز الشعور بوجود فراغ تشريعي تستفيد منه أطراف فاعلة في مراكز القرار.
رغم وجود موانع دستورية تمنع الوزراء وبرلمانيين ومسؤولين آخرين من ممارسة أنشطة خاصة متوازية مع مهامهم، إلا أن المشرع لم يعتمد بعد منظومة متكاملة تُعرّف بشكل دقيق حالات تضارب المصالح، وتضع آليات للتصريح، والتتبع، والكشف، والتحقيق، وتسوية الحالات المخالفة.
تقرير سابق للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة أكد أن غياب تأطير واضح لهذا السلوك يجعل من الصعب رصده، خصوصاً أنه “قادر على التخفي” والتكيف مع القصور القانوني، ما يجعل المخالفات تمر دون عقاب أو حتى كشف.
كما أن الفصل 245 من القانون الجنائي، وهو المقتضى الأقرب لهذا النوع من الانحرافات، يظل محدود النطاق، إذ لا يعالج إلا بعض أشكال الاستغلال المباشر للمنصب، دون أن يمتد إلى العلاقات غير المباشرة أو المصالح المشتركة أو استفادة الأقارب والشركاء.
قبل أكثر من سنتين، أعلنت الحكومة أنها بصدد إعداد مشروع قانون لتجريم تضارب المصالح. ورغم مرور الوقت، ما يزال هذا المشروع غائباً عن النقاش العمومي والبرلماني، دون أي أثر ملموس.
وبالتوازي، تقدّم الفريق الاشتراكي بمقترح قانون حول تضارب المصالح، في خطوة لملء الفراغ التشريعي، غير أن المقترح لم يجد طريقه للنقاش داخل اللجان، في ظل رفض الحكومة مناقشة مقترحات القوانين المتعلقة بالمواضيع التي تقول إنها تعمل عليها.
ومع دخول الحكومة أشهرها الأخيرة قبل نهاية الولاية، تبدو حظوظ خروج القانون إلى حيّز الوجود ضعيفة، ما يعمّق حالة الإحباط لدى المهتمين بالحكامة وجودة التدبير العمومي.
خلال اجتماع لجنة القطاعات الاجتماعية حول صفقات الأدوية، اعترف وزير الصحة بغياب إطار قانوني يحسم في حالات تضارب المصالح، مؤكداً أن الأمر “ورش تشريعي جماعي” لا يخص قطاع الصحة وحده، وأن البرلمان يمتلك صلاحية بلورة النصوص المناسبة.
وأشار الوزير إلى أن الصفقات لا تبرم مع أشخاص بل مع شركات، لكن هذا التوضيح لم يُنه الجدل، خاصة مع إثارة حالات تتعلق بتفويت شركات لأقارب مسؤولين حكوميين لتفادي الوقوع تحت طائلة الموانع القانونية.
القانون يمنع أعضاء الحكومة من إدارة شركات خاصة أو امتلاك مصالح تجارية، غير أن الممارسة تكشف عن طرق التفاف متعددة، أبرزها تفويت الشركات إلى أقارب من الدرجة الأولى. وقد ظهر هذا الأمر بوضوح في عدد من الملفات التي أثارت اهتمام الرأي العام، ومنها صفقة أدوية استفادت منها شركة يديرها شقيق وزير في الحكومة.
من جهتها، تؤكد هيئة النزاهة أن معالجة تضارب المصالح يجب أن تشمل ليس فقط المسؤول العمومي، بل أيضاً المحيط القريب منه، بما في ذلك الأقارب والشركاء التجاريون والكيانات السياسية والاقتصادية المرتبطة به.
إن استمرار تعطيل قانون تجريم تضارب المصالح يُبقي المرفق العمومي مكشوفاً أمام اختلاط المصالح الخاصة بالمصلحة العامة، ويُضعف ثقة المواطنين في المؤسسات، ويجعل ربط المسؤولية بالمحاسبة مجرد شعار. ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، يبدو أن هذا الورش الحيوي لا يزال بعيداً عن مسار الإصلاح الحقيقي الذي يطالب به المجتمع المغربي منذ سنوات






