اقتصاد

تخوفات إسبانية من صعود المغرب اللوجستي.. طنجة المتوسط والناظور والداخلة تعيد رسم خريطة التجارة البحرية

يواصل المغرب تسريع بناء منظومة مينائية ولوجستية متكاملة بدأت تفرض نفسها بقوة على خريطة التجارة البحرية الدولية، في تحول لم يعد يقتصر على تطوير موانئ وطنية، بل يتجه إلى جعل المملكة منصة رئيسية لتخزين وتدبير وتوزيع البضائع والموارد الموجهة إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية والأطلسية.

وفي الوقت الذي يستعد فيه ميناء الناظور غرب المتوسط للدخول التدريجي في الخدمة خلال الربع الأخير من سنة 2026، تتزايد في إسبانيا التقارير التي تتناول بقلق تنامي القدرات المينائية المغربية، خصوصا أن المشروع يوجد على مسافة قريبة من مليلية، ويأتي ليعزز منظومة يقودها ميناء طنجة المتوسط الذي تحول إلى أحد أكبر المراكز المينائية في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط. وقد وصفت تقارير إعلامية إسبانية حديثة المشروع بأنه منافس جديد للموانئ الإسبانية في غرب المتوسط.

ولا يتعلق الأمر بميناء معزول، وإنما بمشروع ضخم يندرج ضمن رؤية مغربية أوسع لبناء منظومة مينائية متكاملة. ووفق المعطيات الرسمية، فإن الناظور غرب المتوسط استقطب إلى حدود يناير 2026 استثمارات عمومية وخاصة بلغت 51 مليار درهم، فيما بلغت الاستثمارات الخاصة المؤكدة نحو 20 مليار درهم، مع قدرة أولية عند الانطلاق تصل إلى خمسة ملايين حاوية سنويا و35 مليون طن من البضائع السائلة والصلبة، مع إمكانية تطوير طاقات إضافية كبيرة مستقبلا.

وتزداد أهمية المشروع بالنظر إلى مكونه الصناعي واللوجستي والطاقة، إذ ستواكبه منطقة للأنشطة تمتد في مرحلتها الأولى على 700 هكتار، فيما دخل عدد من المستثمرين الدوليين فعليا إلى محيط المشروع. كما يتضمن المركب أول محطة للغاز الطبيعي المسال في المملكة بطاقة سنوية تصل إلى خمسة مليارات متر مكعب، وهو ما يمنحه وظيفة تتجاوز النقل البحري نحو الأمن الطاقي والتخزين والخدمات الصناعية.

لكن نقطة القوة الأساسية في الاستراتيجية المغربية تظل مرتبطة بميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح قاعدة رئيسية لحركة الحاويات والتجارة الدولية، ونجح في جذب كبريات شركات الملاحة والصناعة والخدمات اللوجستية. وبذلك، أصبح المغرب يمتلك في شمال المملكة منصة بحرية قادرة على التعامل مع التدفقات التجارية القادمة من مختلف أنحاء العالم وإعادة توجيهها نحو أوروبا وإفريقيا ومناطق أخرى.

ومن منظور إسباني، فإن صعود طنجة المتوسط ثم اقتراب تشغيل الناظور غرب المتوسط يطرح تحولا في ميزان المنافسة اللوجستية في غرب المتوسط. فالموقع الجغرافي الذي كانت تستفيد منه الموانئ الإسبانية على خطوط التجارة بين أوروبا وإفريقيا وآسيا أصبح اليوم مجالا تتقاسمه منظومة مينائية مغربية ذات قدرات متزايدة، وهو ما يفسر الحضور المتزايد لهذا الملف في الإعلام الاقتصادي الإسباني.

والمغرب لا يكتفي بالواجهة المتوسطية، بل يفتح في الوقت نفسه ورشا استراتيجيا على المحيط الأطلسي من خلال ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يمثل أحد أكبر رهانات المملكة لإعادة تشكيل موقعها اللوجستي جنوبا وربط الموانئ المغربية بالعمق الإفريقي والأسواق الأطلسية.

وبين طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط والداخلة الأطلسي، تتشكل تدريجيا شبكة مغربية متعددة الواجهات، تجعل المملكة حاضرة في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي في آن واحد، وتمنحها قدرة أكبر على استقبال السفن الكبرى، وتخزين البضائع، وإعادة توزيعها، وربطها بالمناطق الصناعية والأسواق الإفريقية والأوروبية.

وهنا تبرز خصوصية النموذج المغربي؛ فالموانئ الجديدة لا تبنى باعتبارها أرصفة للسفن فقط، وإنما باعتبارها مراكز متكاملة للتخزين والمناولة والصناعة والطاقة والتوزيع وإعادة التصدير. وهذا التحول هو الذي يجعل المغرب يتحرك من موقع الدولة التي تستفيد من موقعها الجغرافي إلى موقع الدولة التي توظف هذا الموقع لبناء قيمة اقتصادية ولوجستية حوله.

وتؤكد الاستثمارات الدولية المرتبطة بالناظور غرب المتوسط أن المغرب بدأ يجذب شركات عالمية لا تبحث فقط عن منفذ بحري، وإنما عن منصات مستقرة لتخزين وتدبير الموارد والسلع وربطها بمختلف الأسواق. كما أن الدعم الذي حصل عليه مشروع الناظور من مؤسسات مالية دولية، من بينها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، يعكس الرهان على تطوير المركب كمنطقة اقتصادية ولوجستية مستدامة وجاذبة للاستثمار.

ويأتي ذلك في سياق أوسع، إذ تولى المغرب خلال سنة 2026 رئاسة مجموعة وزراء النقل لدول غرب المتوسط لفترة 2026-2028، في محطة تعكس تنامي حضوره في ملفات النقل واللوجستيك والربط الإقليمي.

وبذلك، فإن التخوف الإسباني الذي بدأ يظهر في بعض التقارير الإعلامية من صعود الموانئ المغربية لا يرتبط فقط بالناظور غرب المتوسط، وإنما بالصورة الأشمل التي بدأت تتشكل: طنجة المتوسط في الشمال، الناظور غرب المتوسط على المتوسط الشرقي، والموانئ الأطلسية وصولا إلى الداخلة.

إنها منظومة تجعل المغرب أقرب إلى أن يكون منصة لوجستية إقليمية ذات امتداد عالمي، قادرة على استقطاب خطوط الملاحة والاستثمارات الصناعية ومراكز التخزين والتوزيع، وتمنح الشركات الدولية خيارا متزايد الأهمية لتخزين مواردها وبضائعها بالقرب من الأسواق التي تستهدفها.

وفي المقابل، تجد الموانئ الإسبانية نفسها أمام منافس جديد لا يعتمد فقط على القرب الجغرافي، وإنما يستثمر بشكل متواصل في البنية التحتية والمناطق الصناعية واللوجستية والطاقة والربط البري. ولذلك، فإن صعود المغرب في قطاع الموانئ لم يعد مجرد مشروع تنموي وطني، بل أصبح عاملا يعيد رسم جزء من الخريطة اللوجستية للمتوسط والأطلسي.

المغرب اليوم لا يطرق باب التجارة البحرية العالمية، بل يعمل على توسيع موقعه داخلها، مستندا إلى شبكة موانئ ضخمة واستثمارات متواصلة وموقع جغرافي استثنائي، فيما تتحول طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط والداخلة الأطلسي إلى ركائز أساسية في مشروع طويل الأمد يجعل المملكة قوة لوجستية صاعدة بين أوروبا وإفريقيا والعالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى