برادة.. وزير يلهث وراء “البوز” والمدرسة العمومية تحتضر و نقابات ترسم صور قاتمة للتعليم

منذ أول دخول مدرسي له على رأس وزارة التربية الوطنية، اختار الوزير برادة أن يطلّ على الرأي العام عبر جولات ميدانية محسوبة بدقة، يتنقل فيها بين مؤسسات تم تهيئتها على المقاس لإبهاره أمام عدسات الكاميرات، في مشهد لا يعكس شيئا من الواقع البئيس الذي تعيشه المدرسة العمومية. الوزير الذي أراد أن يسجل حضوره السياسي من خلال “البوز”، تجاهل أن المغرب يقبع في مراتب متأخرة على الصعيد العالمي، حيث حل في المرتبة 111 وفق تقارير دولية، في وقت تتصاعد فيه الأصوات المنددة بانهيار المنظومة التعليمية.
الجامعة الوطنية للتعليم (التوجه الديمقراطي) لم تتردد في رسم صورة قاتمة للواقع التعليمي، مؤكدة أن الدخول المدرسي الجديد لا يختلف عن سابقاته: مناهج مفككة، خصاص مهول في الأطر، اكتظاظ خانق داخل الأقسام، بنية تحتية مهترئة، وتجهيزات شبه منعدمة. هذا فضلاً عن فوضى الزمن المدرسي وتأخر تعيين الأساتذة، في دليل إضافي على غياب أي إرادة حقيقية للإصلاح.
الوزارة، وبتواطؤ مكشوف مع الحكومة، تمارس سياسة المماطلة والتسويف والانقلاب على الاتفاقات الموقعة مع النقابات. بلاغ الجامعة التعليمية كشف أن كل المؤشرات تؤكد السير نحو مزيد من ضرب المدرسة العمومية، من خلال مخططات تُمرر بشكل انفرادي، وتقوم على تكريس الفوارق بين المؤسسات، وتفويت الخدمات الحيوية للقطاع الخاص، مقابل تهميش الأطر التربوية الكفأة والتقليص المستمر من الاستثمارات العمومية.
وإذا كان المغرب قد تراجع بشكل مقلق إلى الرتبة 154 من أصل 218 دولة ضمن مؤشر التعليم العالمي، فإن ذلك لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة للسياسات العرجاء التي اتبعتها الوزارة، القائمة على إصلاحات شكلية لا تغني ولا تسمن من جوع، ومناهج متجاوزة، مع تعميق الهشاشة المهنية وضرب الاستقرار الوظيفي، وسط فساد بنيوي ينخر دواليب القطاع.
ولم تكتف الجامعة بإدانة هذا الوضع الكارثي، بل أعلنت عن وقفة احتجاجية وطنية أمام مقر الوزارة بالرباط يوم 5 أكتوبر المقبل، بالتزامن مع اليوم العالمي للمدرس، تعبيراً عن الغضب المتزايد في أوساط نساء ورجال التعليم، وتخليداً لبداية الحراك التعليمي الذي يرفض تحويل المدرسة العمومية إلى سلعة في سوق البزنس السياسي.
في المقابل، يستمر الوزير في مسرحية “التلميع”، متجاهلاً الاتفاقات الملزمة مع النقابات، وعلى رأسها اتفاق 26 أبريل 2011 واتفاقي دجنبر 2023، وما تلاه من تفاهمات إلى غاية يناير 2025. هذه الاتفاقات لا تقبل التلاعب أو الالتفاف، لكن الوزارة تمعن في التنصل من التزاماتها، ضاربة عرض الحائط حقوق الشغيلة التعليمية ومطالبها العادلة، مثل إلغاء تسقيف سن التوظيف في 30 سنة، وتسوية الملفات العالقة كافة.
المثير للسخرية أن الوزير برادة يصرّ على تسويق صورة وردية عن المدرسة العمومية، بينما الواقع يكشف عن انهيار شامل غير مسبوق. فالأقسام مكتظة، والمدارس في حالة مزرية، والتلاميذ ضحايا سياسات ترقيعية لا أفق لها. وإذا كان الوزير قد وجد ضالته في “البوز السياسي”، فإن أولياء التلاميذ والرأي العام لم يعودوا يقبلون بهذه المسرحيات، وهم يرون أبناءهم يتكدسون في حجرات متهالكة، محرومين من أبسط شروط التعلم.
إن المدرسة العمومية اليوم ليست في حاجة إلى وزير يبحث عن الأضواء، بل إلى إرادة سياسية حقيقية تعيد الاعتبار للتعليم باعتباره أساس التنمية وأداة للارتقاء الاجتماعي. أما ما يقوم به برادة فلا يعدو أن يكون هروبا إلى الأمام وتلميعاً لواجهة مهترئة، فيما العمق يعيش انهياراً شاملاً.






