الجزائر تحت مجهر “هيومن رايتس ووتش”: دولة تُحاكم الكلمة وتُرحِّل البشر وتُدير القمع بالقانون

كشفت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، في تقرير حقوقي صادم، عن صورة قاتمة لوضع الحريات في الجزائر، حيث تواصل السلطات – وفق توثيق دقيق – نهجًا قمعيًا ممنهجًا يقوم على تجريم الرأي، وخنق العمل السياسي السلمي، وتحويل القضاء إلى أداة لتصفية الأصوات المزعجة، في مشهد يعكس انغلاقًا سياسيا عميقًا وعجزًا عن إدارة الاختلاف خارج منطق العصا الغليظة.
التقرير يؤكد أن الحكومة الجزائرية ماضية في معاقبة منتقديها بلا هوادة، سواء كانوا نشطاء ميدانيين أو فاعلين رقميين، بالتوازي مع فرض قيود خانقة على أي شكل من أشكال التعبئة العامة، السياسية منها والاجتماعية. فالفضاء العام، بحسب المنظمة، لم يعد مجالًا للتعبير، بل تحول إلى حقل ألغام قانوني، تُزرع فيه التهم الجاهزة ويُحصد فيه المعارضون.
ولم يتوقف القمع عند حدود الرأي، بل امتد إلى انتهاكات جسيمة في حق المهاجرين وطالبي اللجوء، حيث وثقت المنظمة عمليات ترحيل قسري وغير قانوني، طالت بالأساس مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، جرى رميهم في اتجاه النيجر في ظروف “غير إنسانية وخطيرة”، لا تراعي أدنى المعايير الدولية، ولا تميز بين رجل وامرأة أو طفل.
ومن أخطر ما رصده التقرير، حملة الاعتقالات الواسعة التي شُنت ضد عشرات الجزائريين بسبب استعمالهم وسم “#مانيش_راضي”، الذي ظهر في دجنبر 2024 كتعبير سلمي عن السخط الاجتماعي والسياسي. الرد الرسمي لم يكن الإصغاء أو الحوار، بل الزنازين، في تأكيد صارخ على أن الدولة لا تتحمل حتى همس الاعتراض.
وفي هذا السياق، سلط التقرير الضوء على أحكام قضائية ثقيلة صدرت بحق نشطاء بارزين، من بينها الحكم الصادر عن محكمة الرويبة في 20 يناير، القاضي بسجن الناشط محمد تجاديت خمس سنوات نافذة، مع غرامة مالية ثقيلة، بتهم فضفاضة من قبيل “المساس بسلامة وحدة الوطن”. كما أدانت محكمة بجاية الناشطين صهيب دباغي ومهدي بعزيزي بالسجن 18 شهرًا، في حين لم يسلم الفاعلون السياسيون من المقصلة القضائية، حيث حُكم على فتحي غراس، المنسق السابق للحركة الديمقراطية الاجتماعية، بالسجن سنة واحدة، وزوجته مسعودة شبالة بستة أشهر.
ولم تغفل “هيومن رايتس ووتش” استمرار التضييق على الصحافيين والمثقفين، مسجلة الحكم الصادم الصادر في 29 يونيو عن محكمة بالجزائر العاصمة، القاضي بسجن الصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز سبع سنوات، بتهمة “الإشادة بالإرهاب”، فقط بسبب عمله الصحافي وعلاقته بمصدر من حركة “الماك”. كما استحضرت قضية الكاتب الجزائري-الفرنسي بوعلام صلصال، الذي أُدين بخمس سنوات سجنا قبل أن يُفرج عنه بعفو رئاسي، في خطوة اعتبرتها المنظمة تصحيحًا متأخرًا لخطأ جسيم، لا دليلاً على انفراج.
وفي السياق ذاته، رصد التقرير تجريم النشاط الرقمي، من خلال إدانة الناشطة درامة قماري بالسجن ثلاث سنوات، جزء منها نافذ، بسبب منشورات على “فيسبوك”، في رسالة واضحة مفادها أن منصات التواصل الاجتماعي باتت بدورها خاضعة لمنطق الرقابة والعقاب.
أما على مستوى المجتمع المدني، فأكدت المنظمة أن السلطات الجزائرية تسعى إلى خنق حرية تكوين الجمعيات عبر مشروع قانون جديد يفرض قيودًا مشددة، بالتوازي مع قمع التحركات النقابية والطلابية. وقد تجلى ذلك في اعتقال النقابيين مسعود بوديبة وبوبكر هابط، وقمع إضراب طلبة الطب الذي انطلق في نونبر 2024، وانتهى باعتقال وإدانة الطالب شرف الدين طلحاوي. كما منعت قوات الأمن، في 20 غشت، تجمعًا تاريخيًا بقرية إفري أوزلاقن واعتقلت عشرات النشطاء في مشهد أعاد إلى الأذهان سنوات القمع الثقيل.
وسجل التقرير، بقلق بالغ، لجوء القضاء لإقصاء المنافسين السياسيين، حيث أُدين ثلاثة مرشحين رئاسيين محتملين، هم سعيدة نغزة وبلقاسم ساحلي وعبد الحكيم حمادي، بعشر سنوات سجنا (خففت لاحقًا)، بتهمة شراء توكيلات، في خطوة اعتبرتها المنظمة مساسًا مباشرًا بالتعددية السياسية.
كما استمرت السلطات، بحسب التقرير، في فرض حظر تعسفي على السفر، كما وقع مع الناشطة الحقوقية نصيرة ديتور، رئيسة جمعية عائلات المفقودين، التي مُنعت من دخول بلدها ورُحلت قسرًا إلى فرنسا، في واقعة تلخص كيف تُكافئ الدولة من يطالب بالحقيقة.
وختمت “هيومن رايتس ووتش” تقريرها بتسليط الضوء على المأساة الإنسانية للمهاجرين الأفارقة، مؤكدة استمرار عمليات الطرد الجماعي، بما في ذلك الأطفال، وتركهم في الصحراء على الحدود مع النيجر. ونقلت عن منظمة “ألارم فون صحارى” أن الجزائر طردت حوالي 5 آلاف شخص بين يناير وأبريل فقط، مع تسجيل وفيات بسبب الظروف القاسية، بينما أعلنت سلطات النيجر أن عدد المطرودين بلغ 16 ألف شخص خلال شهري أبريل وماي وحدهما.
تقرير لا يترك مجالًا للالتباس: الجزائر الرسمية اختارت القمع بدل الإصلاح، والزجر بدل السياسة، والصحراء بدل العدالة. صورة قاتمة لدولة تحارب مواطنيها بدل أن تصالحهم، وتدير أزماتها الداخلية بقوانين استثنائية، في وقت يزداد فيه العالم اقتناعًا بأن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالسجون، بل بالحقوق.






