إصلاح التعليم العالي بين الخطاب الرسمي واحتجاجات الطلبة… هل يجيب القانون الجديد عن الأزمة؟

ترأس رئيس الحكومة عزيز أخنوش اجتماعًا بالرباط خُصص لتتبع مسار إصلاح منظومة التعليم العالي والبحث العلمي، في سياق تنفيذ التوجيهات الملكية لـ الملك محمد السادس الرامية إلى بناء جامعة مغربية قادرة على مواكبة التحولات التنموية وتعزيز دورها في تكوين الكفاءات.
غير أن هذا اللقاء، رغم ما حمله من أرقام ومشاريع معلنة، أعاد إلى الواجهة النقاش الواسع حول واقع الجامعة المغربية والتحديات العميقة التي يواجهها قطاع التعليم العالي، خاصة في ظل تنامي احتجاجات الطلبة والأساتذة حول عدد من القضايا المرتبطة بالقانون الجديد وإصلاح المنظومة الجامعية.
أزمة بنيوية داخل الجامعة المغربية
رغم التأكيد الحكومي على أن إصلاح التعليم العالي يمثل أولوية استراتيجية، فإن واقع الجامعات يكشف عن إكراهات بنيوية ما تزال قائمة. فالجامعات المغربية تعرف منذ سنوات ضغطًا متزايدًا نتيجة الارتفاع المستمر في أعداد الطلبة، حيث تجاوز عددهم اليوم 1.3 مليون طالب، وهو رقم يطرح تحديات كبيرة على مستوى البنية التحتية والتأطير البيداغوجي.
وتعاني العديد من المؤسسات الجامعية من الاكتظاظ داخل المدرجات، ونقص في الأطر التعليمية، إضافة إلى ضعف الخدمات الاجتماعية الموجهة للطلبة، وعلى رأسها الإيواء الجامعي والنقل والمنح. وهي عوامل تعتبرها التنظيمات الطلابية من أبرز أسباب الاحتقان داخل الحرم الجامعي.
القانون الجديد… بين الإصلاح والجدل
يأتي النقاش الحالي أيضًا في ظل تنزيل مقتضيات القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الذي يشكل المرجعية الأساسية لإصلاح المنظومة التعليمية بالمغرب.
ورغم أن هذا القانون يهدف إلى تحديث التعليم وربط التكوين الجامعي بحاجيات سوق الشغل، فإن عدداً من الفاعلين داخل الجامعة، خاصة في صفوف الطلبة، يرون أن بعض مقتضياته ما تزال تثير تساؤلات بشأن مستقبل الجامعة العمومية ودورها الاجتماعي.
وتعتبر بعض التنظيمات الطلابية أن الإصلاحات الحالية يجب أن تركز بشكل أكبر على تحسين جودة التكوين وضمان تكافؤ الفرص بين الطلبة، بدل الاكتفاء بإجراءات تقنية مرتبطة بالمسالك البيداغوجية أو تنظيم الدراسة.
مطالب الطلبة… بين الواقع والطموح
في خضم هذا النقاش، يرفع الطلبة عدداً من المطالب التي يرون أنها ضرورية لإصلاح حقيقي لمنظومة التعليم العالي. ومن بين أبرز هذه المطالب:
-
توسيع الطاقة الاستيعابية للأحياء الجامعية وتحسين ظروف الإقامة.
-
الرفع من قيمة المنح الجامعية وتوسيع قاعدة المستفيدين منها.
-
تحسين جودة التكوين وربطه فعليًا بسوق الشغل.
-
تعزيز حضور اللغات والتخصصات الرقمية داخل البرامج الجامعية.
-
توفير فرص أكبر للتدريب والتأهيل المهني داخل المسارات الجامعية.
ويرى كثير من الطلبة أن الإصلاح الحقيقي يجب أن ينطلق من معالجة المشاكل اليومية التي يعيشونها داخل الجامعات، والتي تؤثر بشكل مباشر على مسارهم الدراسي.
مشاريع حكومية… لكن التحديات مستمرة
في المقابل، تؤكد الحكومة أن عدداً من المشاريع يجري العمل عليها لتطوير العرض الجامعي، من بينها توسيع الطاقة الاستيعابية للمؤسسات الجامعية، وإطلاق مشاريع جديدة للإقامات الطلابية عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص.
كما يجري العمل على إحداث مؤسسات جامعية جديدة، من بينها مشروع كلية للطب والصيدلة وطب الأسنان بمدينة القنيطرة، بهدف تخفيف الضغط عن كلية الطب في الرباط وتوسيع عرض التكوين في القطاع الصحي.
وتؤكد المعطيات الرسمية أن ميزانية التعليم العالي شهدت زيادة بنحو 30 في المائة خلال السنوات الأخيرة، مع إحداث مسالك جديدة في مجالات التكنولوجيا والرقمنة، في محاولة لمواكبة التحولات الاقتصادية وسوق الشغل.
الجامعة المغربية أمام اختبار الإصلاح
ورغم هذه المبادرات، يبقى الرهان الحقيقي مرتبطًا بقدرة الإصلاحات الجارية على معالجة الإشكالات الهيكلية التي تعاني منها الجامعة المغربية. فالتعليم العالي لا يُعد فقط فضاءً للتكوين الأكاديمي، بل يمثل ركيزة أساسية في بناء الرأسمال البشري وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، باتت الجامعة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإعداد أجيال قادرة على الابتكار والمساهمة في التنمية، وهو ما يجعل إصلاح هذا القطاع ورشًا استراتيجيًا يتطلب رؤية شاملة تتجاوز الأرقام والإجراءات التقنية.
وبين طموحات الإصلاح الحكومي ومطالب الطلبة المتزايدة، يبقى مستقبل الجامعة المغربية رهينًا بمدى نجاح السياسات العمومية في تحقيق توازن حقيقي بين جودة التكوين والعدالة الاجتماعية داخل منظومة التعليم العالي.






