سياسة

أساتذة التعليم الأولي يحتجون أمام البرلمان بالتزامن مع عرض البرنامج الحكومي للمنصوري والقوات العمومية تمنعهم من المبيت الليلي

شهد محيط البرلمان بالعاصمة الرباط، أمس الاثنين، وقفة احتجاجية خاضها أساتذة وأستاذات التعليم الأولي، بدعوة من التنسيق النقابي الثلاثي، للمطالبة بإدماجهم في أسلاك الوظيفة العمومية، والزيادة في الأجور، وإقرار نظام أساسي ينظم حقوقهم وواجباتهم، إلى جانب تحسين ظروف اشتغالهم وفتح حوار جاد ومسؤول مع الوزارة الوصية على القطاع، في تحرك اجتماعي تزامن مع انعقاد أول جلسة برلمانية خُصصت لتقديم البرنامج الحكومي الجديد الذي تقوده فاطمة الزهراء المنصوري.

واكتسبت هذه الوقفة الاحتجاجية دلالة خاصة بالنظر إلى توقيتها، إذ اختار العاملون والعاملات بالتعليم الأولي النزول إلى الشارع والاحتجاج أمام المؤسسة التشريعية في الوقت الذي كانت فيه رئيسة الحكومة تعرض توجهات حكومتها والتزاماتها أمام البرلمان، في رسالة مباشرة تعكس حجم الانتظارات الاجتماعية المعلقة على المرحلة الحكومية الجديدة، وتعيد إلى الواجهة ملفا مهنيا ظل موضوع مطالب نقابية متكررة خلال السنوات الماضية.

وتجمع المحتجون أمام البرلمان للتعبير عن رفضهم استمرار الوضعية المهنية والاجتماعية التي يشتغلون في ظلها، مؤكدين أن إصلاح التعليم الأولي لا يمكن أن يقتصر على تطوير البرامج والمناهج وتوسيع العرض التربوي، دون معالجة أوضاع الفئة التي تضطلع بمهمة التأطير التربوي للأطفال خلال السنوات الأولى من مسارهم الدراسي.

وتصدرت المطالب المتعلقة بالإدماج في أسلاك الوظيفة العمومية قائمة الشعارات المرفوعة خلال الوقفة، إلى جانب المطالبة بالزيادة في الأجور، وإقرار نظام أساسي واضح يحدد الحقوق والواجبات، وتحسين ظروف العمل، وضمان الاستقرار المهني والاجتماعي. كما شدد المحتجون على ضرورة فتح حوار جدي ومسؤول مع الوزارة الوصية، بهدف إيجاد حلول عملية تنهي حالة الانتظار التي تطبع ملفهم، وتفضي إلى تسوية منصفة لوضعيتهم.

ويعتبر العاملون والعاملات في هذا القطاع أن استمرار تدبير التعليم الأولي عبر الجمعيات الوسيطة يطرح إشكالات مرتبطة بالاستقرار المهني وضمان الحقوق الاجتماعية، ويجعل مستقبلهم الوظيفي محل تساؤلات متواصلة. ومن هذا المنطلق، يطالبون بمراجعة نموذج التدبير المعتمد، بما يضمن وضوح الوضعية الإدارية والمهنية، ويحقق الإنصاف بين مختلف الفئات العاملة في المنظومة التعليمية.

كما يحتل الجانب المادي موقعا أساسيا ضمن المطالب المرفوعة، في ظل شكاوى نقابية من محدودية الأجور مقارنة بالأعباء التربوية والمسؤوليات الملقاة على عاتق الأساتذة والأستاذات. وتحدث ممثلو الشغيلة عن أوضاع اجتماعية صعبة يعيشها عدد من العاملين، معتبرين أن تحسين الأجور وتوفير الضمانات الاجتماعية يشكلان مدخلا ضروريا لتحقيق الاستقرار المهني، وضمان ظروف مناسبة لأداء المهام التربوية.

ولم تقتصر المطالب على الأجور والإدماج، بل امتدت إلى الاعتراض على تكليف الأساتذة والأستاذات بمهام إضافية يعتبرونها خارج التزاماتهم التربوية الأساسية، والدعوة إلى احترام الحريات النقابية وتحسين ظروف الاشتغال، فضلا عن مراجعة بعض الممارسات المرتبطة بتدبير القطاع والتكوينات والأنشطة التي تبرمج خلال العطل أو بالتزامن مع المحطات النضالية.

وفي هذا السياق، أعلن التنسيق النقابي عن خطوات احتجاجية شملت مقاطعة عدد من المهام والأنشطة الإضافية، من بينها بعض العمليات المرتبطة بصحة الطفل والتربية الوالدية والأبواب المفتوحة، إلى جانب أنشطة مرتبطة بمنظومة مسار والتكوينات التي تتزامن مع المحطات النضالية، وفق ما ورد في مواقفه النقابية.

غير أن المحطة الاحتجاجية أمام البرلمان لم تتوقف عند حدود الوقفة، إذ كان المحتجون يعتزمون مواصلة تحركهم عبر اعتصام يتخلله مبيت ليلي في محيط المؤسسة التشريعية، في خطوة ترمي إلى إبقاء ملفهم حاضرا أمام الحكومة والبرلمان، والضغط من أجل فتح حوار مباشر بشأن مطالبهم المهنية والاجتماعية.

لكن هذا المخطط لم يكتمل، بعدما تدخلت القوات العمومية، ممثلة في عناصر الأمن الوطني والقوات المساعدة، لتفريق المحتجين ومنعهم من مواصلة الاعتصام والمبيت الليلي أمام البرلمان. وأفادت معطيات متداولة بشأن مجريات الاحتجاج بأن التدخل أدى إلى إخلاء محيط المؤسسة التشريعية، في وقت كان فيه المشاركون يستعدون للبقاء في المكان طوال الليل.

وتحدثت تقارير إعلامية عن انتقال التحركات إلى الشوارع المحاذية للبرلمان، وسط تعزيز الحضور الأمني في المنطقة لمنع استمرار التجمع في المكان. وبذلك، تعذر على المحتجين تنفيذ المبيت الليلي الذي كانوا يعتزمونه، بينما ظلت المطالب التي خرجوا من أجلها قائمة، دون إعلان عن تسوية نهائية للملف.

ويعيد هذا التدخل إلى الواجهة النقاش بشأن تدبير الاحتجاجات الاجتماعية في الفضاءات العمومية، خصوصا عندما تتزامن مع محطات سياسية ومؤسساتية بارزة. ففي الوقت الذي كانت فيه الحكومة الجديدة تقدم برنامجها أمام ممثلي الأمة، كانت فئة من العاملين في قطاع تربوي أساسي تطالب بتحسين أوضاعها، وتؤكد أن انتظاراتها لا تحتمل مزيدا من التأجيل.

وتواجه الحكومة الجديدة، في هذا السياق، اختبارا اجتماعيا يتعلق بمدى قدرتها على معالجة الملفات المهنية العالقة، وتحويل الالتزامات المعلنة بشأن إصلاح التعليم إلى إجراءات ملموسة تشمل العاملين في التعليم الأولي. كما يطرح الملف أسئلة حول طبيعة الحوار الذي ستفتحه الوزارة الوصية مع ممثلي الشغيلة، ومدى استعداد الأطراف المعنية للانتقال من الاحتجاجات المتكررة إلى تسوية تستجيب للمطالب الأساسية.

ويؤكد المحتجون أن تحسين جودة التعليم الأولي يرتبط أيضا بتحسين الظروف المهنية والاجتماعية للأطر التي تتولى تأطير الأطفال ومواكبة تعلمهم في المراحل الأولى، معتبرين أن الاستقرار المهني يشكل عنصرا أساسيا لضمان الاستمرارية التربوية والرفع من جودة الخدمات المقدمة داخل المؤسسات.

وبين تقديم البرنامج الحكومي الجديد أمام البرلمان وخروج أساتذة وأستاذات التعليم الأولي إلى الشارع، برز التباين بين الالتزامات السياسية المعلنة والانتظارات الاجتماعية التي تطالب فئات مهنية بتحويلها إلى إجراءات عملية. كما كشف منع المبيت الليلي عن تعثر محاولة المحتجين نقل احتجاجهم إلى مرحلة أكثر استمرارية، دون أن يعني ذلك انتهاء الملف أو تراجع المطالب التي شكلت أساس هذه المحطة.

وتبقى الأنظار موجهة إلى الخطوات المقبلة للتنسيق النقابي الثلاثي، وإلى موقف الوزارة الوصية من المطالب المرفوعة، في ظل استمرار الدعوات إلى فتح حوار جاد ومسؤول يفضي إلى نتائج واضحة. فالمطلوب، وفق جوهر المطالب النقابية، لا يقتصر على تدبير الاحتجاجات أو احتواء التوتر، بل يتصل بإيجاد حل مستدام لوضعية العاملين والعاملات بالتعليم الأولي، وضمان حقوقهم المهنية والاجتماعية، بما ينسجم مع الرهانات المعلنة لإصلاح المنظومة التعليمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى