قضايا

أبحاث إدارية موسعة ترصد تضارب المصالح داخل الجماعات الترابية

باشرت المصالح الترابية المختصة، بتنسيق مع الإدارة المركزية لـ وزارة الداخلية، سلسلة أبحاث إدارية موسعة تروم تجميع معطيات دقيقة حول شبهات تضارب المصالح داخل عدد من الجماعات الترابية، وذلك في سياق تشديد الرقابة على تدبير الشأن المحلي وتعزيز مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وتأتي هذه التحركات عقب توصل الجهات المعنية بمعطيات تفيد بوجود منتخبين، من بينهم رؤساء مجالس وأعضاء من الأغلبية والمعارضة، تربطهم علاقات تعاقدية أو مصالح مباشرة وغير مباشرة مع شركات تستفيد من صفقات أو عقود مفوضة لتدبير مرافق عمومية، كالنظافة والماء والكهرباء والأسواق والمشاريع الكبرى.

وبحسب المعطيات المتوفرة، فقد شملت الأبحاث الإقليمية الأولية لائحة تضم أزيد من 270 منتخباً، يجري التدقيق في وضعيتهم القانونية والمالية، بعد الاشتباه في وجود ارتباطات مهنية أو تجارية قد تضعهم في وضعية تنازع مصالح مع الجماعات التي يساهمون في تسييرها.

وتركز التحقيقات على مراجعة سجلات الصفقات العمومية، ووثائق التحويلات المالية، والعقود المبرمة مع شركات خاصة، مع مقاطعتها بمعطيات السجل التجاري والتصريحات الإدارية، بهدف التأكد من مدى احترام المنتخبين للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل.

ينص القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، لا سيما المادة 65 منه، على منع أي عضو من أعضاء المجلس الجماعي من ربط مصالح خاصة مع الجماعة أو المؤسسات التابعة لها، أو إبرام صفقات أو عقود تهم أملاكها أو مرافقها، سواء بصفة شخصية أو بصفته مساهماً أو وكيلاً عن غيره أو لفائدة زوجته أو أصوله أو فروعه.

وتؤكد التوجيهات الصادرة إلى المسؤولين الترابيين ضرورة التفعيل الصارم لهذه المقتضيات، مع إحالة الحالات التي يثبت فيها وجود تضارب مصالح على القضاء الإداري المختص، لاتخاذ المتعين قانوناً، بما في ذلك مسطرة العزل عند الاقتضاء.

وفي هذا السياق، تم تحريك دعاوى استعجالية في بعض الحالات التي ثبت فيها الجمع بين الصفة الانتدابية ومصالح مهنية مباشرة مع شركات مفوض لها تدبير مرافق عمومية خاضعة لنفوذ الجماعة المعنية. وقد أفضت بعض هذه المساطر إلى صدور أحكام قضائية نهائية بالعزل والتجريد من العضوية، بعد تأكد حالة تضارب المصالح بشكل صريح.

وتعد هذه السوابق القضائية مؤشراً على توجه واضح نحو تكريس مبدأ الحياد ومنع استغلال الموقع الانتخابي لتحقيق منافع خاصة، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء.

الأبحاث الجارية لم تقتصر على عقود التدبير المفوض، بل امتدت إلى مراجعة أتعاب وخدمات قانونية تم التعاقد بشأنها من قبل بعض المجالس، وسط مؤشرات على تضخم في النفقات أو غياب مبررات واضحة لبعض التعاقدات. كما يجري التدقيق في مدى إشعار السلطات الإقليمية بحالات التنازع المحتملة، وفق ما يفرضه القانون.

وتؤكد مصادر مطلعة أن المرحلة المقبلة ستعرف تعميق التحقيقات، مع استدعاء معنيين لتقديم توضيحات كتابية، وترتيب المسؤوليات بناءً على نتائج الأبحاث.

يرى متابعون أن هذه الدينامية الرقابية تعكس توجهاً مؤسساتياً لتعزيز الحكامة داخل الجماعات الترابية، وحماية المال العام من أي تضارب محتمل في المصالح، بما يعزز ثقة المواطنين في المجالس المنتخبة.

كما تشكل هذه الأبحاث رسالة واضحة مفادها أن الصفة التمثيلية لا تمنح حصانة ضد المساءلة، وأن أي خلط بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة سيواجه بتفعيل صارم للقانون.

وتبقى نتائج هذه التحقيقات المرتقبة محطة حاسمة في مسار تخليق الحياة العامة المحلية، وترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة في تدبير المرافق العمومية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى