سياسة

آن أوان طي صفحة الجراح… عفو شامل يعيد و يقوي اللحمة الوطنية ويقطع الطريق أمام الأجندات الخارجية!

تعيش المحاكم المغربية منذ شهور على وقع جلسات متواصلة تطال مئات الشباب المتابعين على خلفية احتجاجات “جيل زد”، في مشهد يعيد إلى الأذهان سنوات التوتر الاجتماعي التي شهدتها مناطق الريف وجرادة وغيرها من المدن المغربية. وبينما تتوالى الأحكام السالبة للحرية، ترتفع اليوم أصوات عاقلة تدعو إلى طي هذا الملف نهائياً، عبر عفو شامل بمناسبة عيد الاستقلال والوحدة الوطنية، يُعيد اللحمة إلى الصف الداخلي، ويقطع الطريق أمام كل من يسعى إلى استغلال معاناة الشباب لتنفيذ أجندات خارجية أو أطروحات خيانة وطنية.

فحسب معطيات الفضاء المغربي لحقوق الإنسان، بلغ عدد المدانين في قضايا مرتبطة بالاحتجاجات الاجتماعية المئات من الشبان، تتراوح أحكامهم بين سنة و15 سنة سجناً نافذاً، فيما شملت المتابعات أيضاً 162 قاصراً، وهو رقم يثير القلق في بلد جعل من المصالحة والإنصاف شعاراً لمساره الديمقراطي.

وفي أحكام حديثة، قضت المحكمة الابتدائية بتازة في حق ثمانية معتقلين من شباب “جيل زد” بشهرين حبسا نافذاً وغرامة مالية قدرها 1000 درهم، قبل أن تستبدل العقوبة بالعمل لأجل المنفعة العامة لمدة 180 ساعة، في خطوة رآها البعض إشارة إيجابية نحو مقاربة جديدة للعقوبات البديلة، تعيد إدماج الشباب بدل إقصائهم.

لكن في المقابل، شهدت محكمة مكناس الزجرية إصدار أحكام تتراوح بين الغرامة وستة أشهر نافذة في حق 25 متهماً، منهم 12 في حالة اعتقال، على خلفية اتهامات ثقيلة كـ”التحريض على العصيان” و”العنف ضد القوات العمومية”، ما أعاد النقاش حول ضرورة التمييز بين من مارس العنف ومن عبّر فقط عن رأيه في الشارع أو على المنصات الرقمية.

أما في الدار البيضاء، فقد تم تأجيل ملف الشاب محمد بزيغ إلى 17 نونبر الجاري، بعدما أُدين ابتدائياً بخمس سنوات سجناً، إثر تدوينات اعتُبرت تحريضية على وسائل التواصل الاجتماعي، لتبقى قضيته نموذجاً لما يوصف بـ”محاكمات الرأي” التي تحتاج إلى معالجة سياسية لا قضائية.

إجمالاً، تشير المعطيات الحقوقية والرسمية إلى أن عدد الموقوفين على خلفية احتجاجات السنوات الأخيرة تجاوز 5780 شخصاً، من بينهم نحو 1473 في حالة اعتقال و959 في حالة سراح، بينهم نساء وقاصرون، في حين ما تزال المحاكم تنظر في ملفات جديدة كل أسبوع.

في ظل هذا الواقع، بات واضحاً أن الوقت قد حان لإغلاق هذا الملف المؤلم بشكل نهائي، عبر عفو شامل يجسد روح المصالحة الوطنية، خصوصاً مع اقتراب ذكرى عيد الاستقلال والوحدة الوطنية، التي تُعد مناسبة رمزية لاستحضار معاني التلاحم والتجاوز.

إن العفو المنتظر لا يجب أن يُنظر إليه كتنازل، بل كـقرار سيادي شجاع يؤسس لمرحلة جديدة من الثقة بين الدولة والمجتمع، ويعيد الاعتبار لشباب خرجوا في لحظة غضب اجتماعي، دون أن يحملوا نية التخريب أو المساس بأمن البلاد.

لقد آن الأوان لإطلاق سراح كل معتقلي الحراكات الاجتماعية – من الريف إلى جرادة وصولاً إلى شباب جيل زيد – ممن لم يتورطوا في العنف، وفتح صفحة جديدة عنوانها “الوحدة فوق الجميع”، لأن وطننا يحتاج اليوم إلى طي الجراح لا تعميقها، وإلى بناء جسور الثقة لا أسوار الانقسام.

فالعفو الشامل ليس مطلباً حقوقياً فحسب، بل ضرورة وطنية لحماية الإجماع الداخلي من رياح التحريض والتشويش الخارجي، ورسالة قوية بأن المغرب – وهو يحتفل بعيده الوطني – قادر دائماً على تجاوز الأزمات بالعقل والحكمة والإرادة الجماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى