قضايا

صفقات عمومية بقيمة 123 مليون درهم تحت مجهر قضاة الحسابات.. شبهات تضارب المصالح وشبكات القرابة تثير أسئلة تدبير المال العام

دخلت صفقات عمومية أبرمتها جماعات ترابية بعدد من جهات المملكة دائرة التدقيق الرقابي، على خلفية شبهات تتعلق بتضارب المصالح واحتمال استغلال علاقات القرابة والنفوذ للتأثير في مساطر إسناد العقود وتنفيذها، في ملفات تستدعي التحقق من مدى احترام قواعد المنافسة والشفافية والمساواة بين المقاولات.

وتشمل عمليات الافتحاص، وفق معطيات أوردتها مصادر مطلعة، جماعات ترابية بجهات الدار البيضاء سطات والرباط سلا القنيطرة وفاس مكناس ومراكش آسفي، حيث يجري فحص صفقات مرتبطة بالنظافة والحراسة وكراء السيارات واقتناء التجهيزات وتقديم خدمات مختلفة.

وتتركز الشبهات حول احتمال توجيه بعض طلبات العروض لفائدة شركات بعينها، مقابل إقصاء مقاولات منافسة تقدمت بعروض مالية وتقنية أكثر تنافسية، إلى جانب تكرار فوز شركات بعقود متشابهة، رغم وجود علاقات عائلية أو مهنية ومصالح مشتركة محتملة بين مسيريها وبعض المسؤولين المحليين.

وبحسب المعطيات ذاتها، بلغت القيمة الإجمالية للصفقات المشمولة بالتدقيق نحو 123 مليون درهم، أي ما يعادل 12 مليارا و300 مليون سنتيم، موزعة على عقود وسندات طلب أبرمتها جماعات ترابية خلال فترات مختلفة.

دفاتر التحملات تحت الفحص.. هل كانت المنافسة متكافئة؟

يركز التدقيق على المراحل التي تسبق إسناد الصفقات، ولا سيما إعداد دفاتر التحملات وتحديد المواصفات التقنية وشروط المشاركة، باعتبارها عناصر حاسمة في ضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين.

وتبحث الجهات الرقابية في مدى احتمال صياغة شروط تقنية أو إدارية تمنح أفضلية مسبقة لمقاولات محددة، أو تضيق نطاق المنافسة أمام شركات أخرى قادرة على تنفيذ الخدمات المطلوبة. كما تشمل المراجعة محاضر فتح الأظرفة وتقييم العروض، والوثائق المتعلقة بالالتزام بالنفقات وصرف مستحقات الشركات المستفيدة.

ويمتد الفحص إلى مقارنة الشروط المنصوص عليها في دفاتر التحملات مع الخدمات المنجزة فعليا، والتحقق من مطابقة التنفيذ للمقتضيات القانونية والتنظيمية المؤطرة للصفقات العمومية.

وتكتسي هذه الجوانب أهمية خاصة لأن سلامة المساطر لا تقاس بمجرد الإعلان عن طلب عروض أو تسجيل وجود عدة متنافسين، بل بمدى استقلالية عملية التقييم، وموضوعية المعايير المعتمدة، وعدم توظيف الشروط التقنية والإدارية لإبعاد منافسين محتملين دون مبررات قانونية واضحة.

علاقات القرابة وتضارب المصالح.. خيط التحقيقات الرقابية

من بين المحاور الأساسية التي تستأثر باهتمام قضاة الحسابات، التحقق من طبيعة العلاقات التي تجمع بين المسؤولين المكلفين بتدبير الطلبيات العمومية ومسيري المقاولات الفائزة بالصفقات.

وتشمل الأبحاث، بحسب المصادر ذاتها، حالات تكرار استفادة الشركات نفسها من عقود متشابهة داخل جماعات مختلفة، بالتزامن مع وجود روابط عائلية أو مهنية محتملة بين أصحاب هذه المقاولات ومنتخبين وموظفين جماعيين يشاركون في إعداد الملفات أو تتبع تنفيذ العقود.

ولا يعني وجود علاقة عائلية أو مهنية، في حد ذاته، ثبوت مخالفة أو فساد، غير أن اقترانها بقرارات تدبيرية قد تمنح امتيازا لمقاولة معينة يجعل التحقق من تضارب المصالح ومدى احترام قواعد النزاهة أمرا ضروريا لحماية المال العام وضمان تكافؤ الفرص.

وتتجه أعمال التدقيق، وفق المعطيات المنشورة، إلى تحديد ما إذا كانت هذه الروابط قد أثرت فعليا في نتائج المنافسة، وما إذا كانت هناك مؤشرات على تنسيق مسبق أو تدخل غير مشروع في قرارات لجان الصفقات.

خمس حالات إقصاء بمراكش آسفي تحت المجهر

وفي جهة مراكش آسفي، امتدت عمليات المراقبة إلى خمس حالات لإقصاء مقاولات من المنافسة داخل ثلاث جماعات، بسبب شروط تقنية أو إدارية أثارت تساؤلات بشأن مدى تناسبها مع طبيعة الخدمات موضوع طلبات العروض.

ويجري فحص هذه الحالات للتحقق مما إذا كانت المعايير المعتمدة ضرورية ومبررة من الناحية التقنية والقانونية، أم أنها تضمنت شروطا ضيقة قد تكون قد منحت أفضلية لشركات محددة على حساب بقية المتنافسين.

وتكتسب هذه النقطة أهمية بالنظر إلى أن دفتر التحملات يفترض أن يستجيب للحاجيات الفعلية للجماعة، لا أن يتحول إلى وسيلة لتقييد المنافسة أو حصرها في عدد محدود من المقاولات.

تتبع الشركات والمستفيدين الفعليين

وفي إطار استكمال عمليات التدقيق، استعانت الجهات الرقابية، وفق المصادر ذاتها، بمعطيات الخزينة العامة للمملكة والمديرية العامة للضرائب وسجلات الصفقات العمومية، بهدف التحقق من الوضعية القانونية والجبائية للمقاولات المعنية، وتحديد مسيريها والمستفيدين الفعليين منها.

ويرمي تقاطع هذه البيانات إلى بناء صورة أوضح عن الروابط المحتملة بين الشركات والمسؤولين الجماعيين الذين شاركوا في اتخاذ قرارات مرتبطة بإسناد العقود أو تنفيذها، مع التحقق من مدى احترام الالتزامات القانونية والتنظيمية ذات الصلة.

كما تشمل عمليات الفحص سندات الطلب التي تلجأ إليها بعض الجماعات لاقتناء خدمات وتوريدات، من خلال مراجعة الحاجيات المعلنة ومقارنة الأسعار المعتمدة مع الأسعار المتداولة، فضلا عن التحقق من قانونية المساطر المتبعة.

وتبرز ضمن هذه الأبحاث شبهات مرتبطة بتكرار التعامل مع الموردين أنفسهم، وتوزيع طلبيات متشابهة خلال فترات متقاربة، وهي ممارسات تستدعي التحقق مما إذا كانت قد أدت إلى تجزئة النفقات بهدف تفادي اللجوء إلى مساطر المنافسة الواجبة.

الرقابة على المال العام أمام اختبار الشفافية والمحاسبة

تعيد هذه الملفات تسليط الضوء على التحديات التي تواجه تدبير الصفقات العمومية على المستوى الترابي، حيث تتقاطع مسؤولية المنتخبين والإدارة الجماعية مع ضرورة حماية المنافسة ومنع تضارب المصالح وضمان الاستخدام السليم للموارد العمومية.

وتظل القيمة المالية للصفقات المعنية، المقدرة بنحو 123 مليون درهم، مؤشرا على أهمية الملفات التي يجري فحصها، غير أن تحديد المسؤوليات يقتضي انتظار نتائج التدقيق وما قد يترتب عنها من ملاحظات أو إجراءات قانونية، دون التعامل مع الشبهات باعتبارها إدانة مسبقة لأي جهة أو شخص.

فالغاية الأساسية من الرقابة ليست فقط رصد الاختلالات المحتملة بعد وقوعها، وإنما أيضا تعزيز الوقاية منها، وضمان أن تخضع الصفقات العمومية لمعايير موضوعية، وأن تستفيد الجماعات من عروض تنافسية تحقق أفضل توازن بين الكلفة والجودة.

وفي انتظار ما ستكشف عنه نتائج الافتحاص، يظل الرهان المطروح هو تحويل الرقابة المالية إلى أداة فعالة لترسيخ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان عدم تحول العلاقات الشخصية أو العائلية إلى مدخل محتمل للحصول على امتيازات في تدبير المال العام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى