فتور الحملة الانتخابية بفاس يضع الأحزاب أمام اختبار رفع الإيقاع وتحريك المشاركة

تدخل الحملة الانتخابية بمدينة فاس مرحلة حاسمة قبل أسبوع واحد من موعد الاقتراع المقرر يوم 23 شتنبر الجاري، غير أن المشهد الميداني داخل الدائرتين الشمالية والجنوبية ما يزال، إلى حدود منتصف الحملة، أقل زخماً من حجم المنافسة التي يفترض أن تواكبها المدينة، في ظل حضور محتشم للمرشحين وغياب التجمعات الخطابية الكبرى والجولات الجماهيرية المكثفة التي عادة ما تميز الأيام الأخيرة من الحملات الانتخابية.
وتتنافس بفاس 41 لائحة محلية على ثمانية مقاعد برلمانية، موزعة بين فاس الشمالية التي تضم 21 لائحة وفاس الجنوبية التي تضم 20 لائحة، فيما تتنافس 21 لائحة جهوية على المقاعد المخصصة للجهة. وتكشف هذه الأرقام وحدها عن حجم المنافسة، وعن الحاجة إلى حضور ميداني أكبر وتواصل سياسي أكثر كثافة مع الناخبين خلال الأيام المتبقية من الحملة.
ومنذ انطلاق الحملة في العاشر من شتنبر، ظلت العديد من الأحياء والشوارع والأسواق بفاس بعيدة عن أجواء التعبئة الانتخابية الواسعة، إذ اختارت مجموعة من اللوائح تنظيم لقاءات محدودة ومغلقة، أو الاعتماد على التواصل المباشر داخل الأحياء، بينما لم تظهر بعد بالشكل المنتظر التجمعات الجماهيرية الكبرى واللقاءات المفتوحة التي تسمح للمرشحين بعرض برامجهم أمام أكبر عدد ممكن من المواطنين.
وسجلت المدينة بالفعل تنظيم حزب الاستقلال لتجمع خطابي بفاس يوم الثلاثاء 15 شتنبر، في إطار حملته الانتخابية، غير أن حجم الأنشطة الجماهيرية الكبرى يظل محدوداً مقارنة بعدد اللوائح المتنافسة. وفي المقابل، تتجه الأنظار إلى حزب العدالة والتنمية الذي يرتقب أن ينظم، مساء اليوم الخميس، تجمعاً خطابياً بملعب ليراك سايس، برئاسة أمينه العام عبد الإله بنكيران، في محطة من المنتظر أن تمنح الحملة الانتخابية بالمدينة جرعة إضافية من الحضور الجماهيري والسياسي.
ويضع هذا الفتور الأحزاب واللوائح أمام مسؤولية أساسية تتجاوز مجرد البحث عن الأصوات، وهي إعادة بناء الصلة المباشرة بين المواطن والاستحقاق الانتخابي. فالحملة الانتخابية ليست فقط مناسبة للمرشح كي يقدم نفسه، وإنما فرصة للناخب أيضاً كي يستمع، ويسأل، ويقارن بين البرامج والتصورات والأسماء، ثم يتخذ قراره بحرية كاملة.
وتكتسي المشاركة الانتخابية أهمية خاصة في مدينة بحجم فاس، التي تتميز بكتلة ناخبة واسعة وبحضور سياسي ومدني وثقافي قوي. كما أن طبيعة المدينة تجعل قراءة توجهات الناخبين أكثر تعقيداً، إذ يصعب اختزال الكتلة الناخبة في اتجاه سياسي واحد، في وقت يمتلك فيه جزء واسع من السكان معرفة بالشأن السياسي ويتابعون النقاشات الوطنية والمحلية، ما يجعل عملية الإقناع أكثر ارتباطاً بالمصداقية والبرنامج والحضور الميداني وليس بمجرد الشعارات الانتخابية.
ومن هنا، فإن الأحزاب مطالبة خلال الأيام المتبقية برفع إيقاع التواصل، والنزول بشكل أكبر إلى الأحياء والأسواق والفضاءات العمومية، وتنظيم لقاءات مفتوحة تسمح للساكنة بطرح أسئلتها ومناقشة المرشحين حول القضايا التي تهم المدينة، وفي مقدمتها التشغيل، والنقل، والصحة، والتعليم، والسكن، والخدمات العمومية، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن رفع المشاركة لا ينبغي أن يتحول إلى دعوة للناخبين إلى التصويت لفائدة حزب أو مرشح بعينه، وإنما إلى تشجيع المواطنين على ممارسة حقهم الدستوري في الاختيار، والتوجه إلى صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر، والتصويت لمن يرونه مناسباً لتمثيلهم، وفق قناعاتهم الخاصة وبعيداً عن أي ضغط أو تأثير غير مشروع.
وينص الفصل 30 من الدستور المغربي على أن التصويت حق شخصي وواجب وطني، وهو ما يجعل المشاركة في الانتخابات جزءاً أساسياً من ممارسة المواطنة. ولذلك فإن مسؤولية رفع نسبة المشاركة لا تقع على الإدارة وحدها، بل تتحمل الأحزاب والمرشحون جانباً مهماً منها عبر تقديم خطاب سياسي مقنع، وبرامج واضحة، وتواصل مباشر يحفز المواطن على الاهتمام بالاستحقاق الانتخابي.
وتبدو أمام اللوائح الـ41 المتنافسة في فاس فرصة حقيقية خلال الأيام الأخيرة لتحويل الحملة من حضور محدود إلى نقاش سياسي واسع، خصوصاً أن الوصول إلى نسبة مشاركة في حدود 50 في المائة، باعتبارها هدفاً مطروحاً للنقاش محلياً، يتطلب تعبئة انتخابية حقيقية وليس مجرد ملصقات ولافتات وحضور محدود في بعض النقاط.
فالمواطن الذي لا يسمع من المرشحين ولا يلتقي بهم ولا يعرف برامجهم قد لا يجد ما يدفعه إلى المشاركة، بينما التواصل المباشر يتيح للأحزاب استعادة جزء من الثقة وإقناع المترددين بأن أصواتهم لها قيمة في تحديد من سيمثل المدينة داخل المؤسسة التشريعية.
وفاس، بحكم ثقلها السياسي والتاريخي، تحتاج خلال الأيام الأخيرة من الحملة إلى نقاش انتخابي أكثر وضوحاً، وإلى انتقال الأحزاب من مرحلة الانتظار والحذر إلى مرحلة التواصل المكثف والمسؤول. فالمنافسة بين 41 لائحة لا ينبغي أن تبقى محصورة في دوائر تنظيمية ضيقة، بل يفترض أن تصل إلى عموم الساكنة، حتى يكون الناخب أمام خيارات واضحة وقادرًا على اتخاذ قراره عن معرفة واقتناع.
ومع اقتراب يوم الاقتراع، ستكون الأيام القليلة المقبلة حاسمة في تحديد شكل المشهد الانتخابي بفاس، ليس من حيث نتائج المنافسة التي لا يمكن استباقها، وإنما من حيث مستوى الحضور السياسي والميداني للأحزاب وقدرتها على تحويل الحملة إلى مناسبة حقيقية للتواصل والمشاركة. وبينما بدأت بعض التنظيمات في رفع وتيرة أنشطتها، ينتظر أن تشهد المدينة خلال النصف الثاني من الحملة تحركاً أكبر، خاصة مع دخول الأمناء العامين والقيادات الوطنية للأحزاب إلى عدد من الدوائر الانتخابية.
ويبقى الرهان الأساسي أمام جميع المتنافسين بفاس هو أن تكون صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر معبرة عن إرادة المواطنين الذين اختاروا المشاركة، وأن يجد كل ناخب أمامه المعلومات والبرامج والمرشحين التي تمكنه من ممارسة حقه وواجبه الوطني بحرية كاملة، لأن قوة العملية الانتخابية لا تقاس فقط بعدد اللوائح المتنافسة، وإنما أيضاً بمدى انخراط المواطنين فيها وممارستهم لحقهم في الاختيار.






