قصة العيد: حين راهن كبيرهم على النهاية المأساوية

في يوم العيد، حين كانت المدن ترتدي ثوبها الجديد، والناس يتبادلون التهاني، كان في قصر قديم رجلٌ يرفض أن يصدق أن الزمن تغيّر.
كانوا يسمونه في مجالسهم **«الكبير»**.
لم يكن كبيراً لأنه أكثر حكمة، ولا لأنه أكثر نزاهة، وإنما لأنه بقي طويلاً في مقدمة الصف، حتى ظن أن الكرسي أصبح جزءاً من اسمه، وأن الخروج منه يشبه الموت.
ذلك الصباح، جلس أمام مرآته طويلاً.
كان وجهه يحمل آثار معارك كثيرة؛ ضربات سياسية متتالية، ندوباً تركتها الخصومات، وهزائم حاول أن يغطيها بخطابات عن الطهر والنقاء.
ابتسم للمرآة وقال:
«أنا لم أخطئ يوماً».
لكن المرآة لم تجبه.
كانت تعرف أن بعض الرؤوس تمتلئ بالضربات، ثم تمتلئ بعدها بالأعذار.
خرج «الكبير» إلى رجاله وقال لهم:
«اليوم تبدأ الحرب».
سأله أحدهم:
«وأنت تعرف إلى أين ستنتهي؟»
أجاب بثقة غريبة:
«إما أن أبقى… أو أن أسقط».
لم يكن يبحث عن طريق ثالث.
لقد دخل المعركة كتحدٍّ أخير، وكأنه يقامر بكل ما بقي له: **الموت السياسي أو الحياة والاستمرارية**.
كان يعرف أن الطريق محفوف بالخسائر، لكنه كان يعتقد أن التراجع اعتراف بالهزيمة.
وفي الجهة الأخرى من المدينة، كان الناس يحتفلون بالعيد، بينما كان خصومه يتابعون المشهد بصمت.
قال أحد الشيوخ:
«إنه لا يحارب من أجل المستقبل، بل يحارب حتى لا يضطر إلى الحديث عن الماضي».
وكانت تلك الجملة أقرب إلى الحقيقة من كل الخطب التي ألقاها «الكبير».
فكلما ضاقت عليه المساحات، رفع شعار الطهرانية.
كلما ظهرت الأسئلة، تحدث عن المبادئ.
وكلما اقتربت ساعة الحساب، بدأ يتحدث عن المؤامرات.
كان يريد أن يقنع الجميع بأنه لم يتلوث أبداً، رغم أن رأسه كان يحمل آثار معارك سياسية لا تنتهي.
وفي مساء العيد، وصلته رسالة قصيرة:
**«ليس المطلوب أن تغادر الآن… المطلوب أن تشرح أولاً كيف وصلت إلى هنا».**
قرأها مرة، ثم ثانية.
ولأول مرة، لم يجد جواباً.
فهم «الكبير» متأخراً أن أخطر ما يواجهه السياسي ليس خصمه، ولا الصحافة، ولا صناديق الاقتراع.
أخطر ما يواجهه هو **السؤال الذي يبقى بعد سقوط الضجيج**:
ماذا فعلت؟
وماذا وعدت؟
وماذا أنجزت؟
ومن دفع الثمن؟
وهل كنت فعلاً كما تقول عن نفسك؟
كانت تلك الليلة مختلفة.
فالعيد الذي ظنه بداية لمعركة جديدة، بدا له فجأة كأنه نهاية مرحلة كاملة.
وفي صباح اليوم التالي، خرج الناس إلى الشوارع.
لم يطالبوا بالانتقام.
طالبوا بشيء أبسط وأقسى:
**الحساب قبل الرحيل.**
لأن السياسي الذي يوشك أن يغادر المشهد لا يُطلب منه أن يحمل معه أسراره، ولا أن يدفن أسئلته تحت الشعارات.
فالسلطة ليست ملكاً شخصياً، والسياسة ليست حصانة أبدية، والطهرانية التي لا تصمد أمام الأسئلة ليست طهارة… بل قناع.
أما «الكبير»، فقد بقي واقفاً أمام مرآته.
هذه المرة لم يقل شيئاً.
كان يعرف أن المعركة الحقيقية لم تعد مع خصومه.
لقد بدأت مع **ذاكرته السياسية**.
وكان يعرف أيضاً أن النهاية ليست بالضرورة سقوطاً من الكرسي.
أحياناً تكون النهاية أن يجلس الرجل أمام تاريخه، فلا يجد فيه مكاناً يختبئ فيه.






