سياسة

تقرير تحليلي: خمس سنوات من تنزيل النموذج التنموي الجديد.. مكتسبات اجتماعية كبرى مقابل اختلالات بنيوية تعمّق أزمة التشغيل والخدمات والعدالة المجالية

كشف تقرير تقييمي شامل لحصيلة خمس سنوات من تنزيل النموذج التنموي الجديد عن وجود مفارقة واضحة بين حجم المكتسبات المحققة في ورش الحماية الاجتماعية والاستثمارات الكبرى، وبين استمرار اختلالات بنيوية عميقة ترتبط أساساً بأزمة التشغيل، ومحدودية جودة الخدمات العمومية، وتنامي مظاهر الريع والاحتكار. وأبرزت الوثيقة المرجعية التي ترصد مسار المملكة حتى منتصف سنة 2026، أن التحول الاقتصادي والاجتماعي الذي راهن عليه المغرب لبلوغ أهداف سنة 2035 لا يزال يصطدم بإكراهات تحد من الأثر الفعلي للسياسات العمومية على حياة المواطنين، وتعيق تحقيق الإقلاع التنموي الشامل والمنصف.

وأوضح التقرير الصادر عن المركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي أن النموذج التنموي الجديد، الذي جاء بتوجيهات ملكية سامية لإعادة التفكير في أسس التنمية، انطلق من تشخيص دقيق أكد عجز النموذج السابق عن الاستجابة للتحولات المتسارعة وتطلعات المواطنين. وقد راهنت الرؤية الاستراتيجية على تحقيق تحول عميق يفضي إلى بلوغ معدل نمو يفوق 6 في المائة سنوياً، مع رفع معدل النشاط الاقتصادي، وتوسيع مساهمة المقاولة الوطنية، وجعل الإنسان محور التنمية عبر تحرير الطاقات وتطوير الرأسمال البشري، وبناء دولة اجتماعية تقلص الفوارق المجالية وتعيد الاعتبار للسياسة والمؤسسات وترسخ الثقة المجتمعية.

وسجلت الوثيقة التقييمية أن مفهوم “تحرير الطاقات” شكل مرتكزاً فكرياً أساسياً، بعدما تبين أن ضعف تعبئة الكفاءات والموارد ساهم في تباطؤ النمو الذي ظل في حدود 3 في المائة خلال العقدين الماضيين، إلى جانب ضعف مشاركة النساء التي لم تتجاوز 21 في المائة، ووجود أكثر من مليون ونصف مليون شاب خارج منظومة التعليم والشغل. وهو ما دفع إلى الدعوة للانتقال من منطق الريع والامتيازات إلى منطق الاستحقاق والمبادرة وتكافؤ الفرص.

مكتسبات مهمة وحصيلة اجتماعية لافتة

وأكدت المعطيات الواردة في التقييم أن الدولة حققت خلال مرحلة التنزيل تقدماً ملموساً في عدد من الأوراش الاستراتيجية، وفي مقدمتها ورش الحماية الاجتماعية، حيث ارتفع عدد المستفيدين من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض إلى أكثر من 32 مليون مستفيد خلال سنة 2025، لتبلغ نسبة التغطية حوالي 88 في المائة من مجموع السكان، مع استفادة ما يقارب 11 مليون شخص من نظام “أمو تضامن”. كما توسع برنامج الدعم الاجتماعي المباشر ليشمل حوالي 12.5 مليون مستفيد موزعين على 4 ملايين أسرة تقريباً، بغلاف مالي ناهز 40.5 مليار درهم.

وأضاف التقرير أن الدينامية الاستثمارية عرفت تطوراً مهماً، حيث بلغت ميزانية الاستثمار العمومي المبرمجة لسنة 2026 حوالي 380 مليار درهم، مدعومة بتنزيل الميثاق الجديد للاستثمار الذي يستهدف توجيه ثلثي الاستثمارات للقطاع الخاص. وقد صادقت اللجنة الوطنية للاستثمارات على 381 مشروعاً بقيمة 581 مليار درهم، يُرتقب أن تخلق أكثر من 245 ألف منصب شغل، بالتوازي مع ارتفاع مداخيل الاستثمار الأجنبي المباشر من 32 مليار درهم سنة 2021 إلى أكثر من 56 مليار درهم سنة 2025.

كما سجل التقرير تقدماً في قطاعات الصحة والتعليم وتحديث الإدارة، عبر إحداث المجموعات الصحية الترابية والهيئات العليا لتحسين الحكامة الصحية، وبلوغ تعميم التعليم الأولي حوالي 84 في المائة، وتوسيع نموذج “مدارس الريادة” ليشمل 2626 مؤسسة في الموسم الدراسي 2025-2026 لفائدة 1.3 مليون تلميذ، إضافة إلى رقمنة أكثر من 600 خدمة عمومية وتحسين البنية التحتية الرقمية.

وفي مجال الأمن المائي والانتقال الطاقي، أبرز التقرير بلوغ 17 محطة لتحلية مياه البحر بطاقة إنتاجية تناهز 320 مليون متر مكعب سنوياً، مع هدف بلوغ 1.7 مليار متر مكعب في أفق 2030، ورفع القدرة الطاقية المتجددة إلى 4.85 جيغاواط، ما مكن المغرب من الحفاظ على المرتبة الثامنة عالمياً في مؤشر الأداء المناخي لسنة 2025.

أزمة التشغيل والخدمات العمومية.. العجز الذي يرافق الإصلاح

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، استدرك التقرير بالإشارة إلى استمرار اختلالات بنيوية عميقة، حيث ظل النمو الاقتصادي متذبذباً بين 3 و4 في المائة، وهو ما انعكس مباشرة على سوق الشغل. فقد استقر معدل البطالة في حدود 13 في المائة خلال سنة 2025، مع تسجيل أكثر من 1.6 مليون عاطل، وارتفاع نسب البطالة في صفوف الشباب إلى أكثر من الثلث، مقابل استمرار خلق مناصب شغل هشة منخفضة الإنتاجية.

كما أظهرت الوثيقة محدودية أثر الإصلاحات على الرأسمال البشري، مستندة إلى نتائج “بيزا 2022” التي وضعت المغرب في مراتب متأخرة، حيث عجز 81 في المائة من التلاميذ عن بلوغ الحد الأدنى في القراءة، مع تسجيل 294 ألف حالة انقطاع مدرسي خلال موسم 2022-2023، ما يعمق استمرار إنتاج الفوارق الاجتماعية.

وفي قطاع الصحة، ورغم تعميم التغطية الصحية، لا يتجاوز معدل العرض الصحي 7.3 مقدم خدمات لكل 10 آلاف نسمة، مع هجرة 600 إلى 700 طبيب سنوياً نحو الخارج، وتوجيه 90 في المائة من نفقات التأمين الإجباري عن المرض نحو القطاع الخاص، ما يضغط على المستشفيات العمومية.

الريع والاختلالات الهيكلية

وسجل التقرير استمرار التفاوتات المجالية والاجتماعية، حيث تستحوذ ثلاث جهات فقط على 58.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، تتصدرها جهة الدار البيضاء-سطات بنسبة تفوق 32 في المائة. ورغم تراجع الفقر إلى 6.8 في المائة، فإن 72 في المائة من الفقراء يتمركزون في العالم القروي، مع استقرار الدخل الفردي في حدود 3993 دولاراً سنوياً سنة 2024، واستمرار الأمية بنسبة 24.8 في المائة.

كما أشار التقرير إلى تراجع الوساطة السياسية لصالح المقاربة التكنوقراطية، مما ساهم في انخفاض انخراط الشباب في العمل الحزبي إلى 1 في المائة، وتزايد الاحتجاجات الاجتماعية في قطاعات التعليم والصحة والنقل، مقابل تصاعد التعبير الرقمي عن السخط الاجتماعي.

وسجلت الوثيقة بروز مظاهر الريع والاحتكار، خصوصاً في قطاع المحروقات الذي شهد تدخل مجلس المنافسة، إلى جانب الجدل حول برامج دعم استيراد اللحوم والمواشي التي استفادت منها فئات محدودة دون انعكاس مباشر على الأسعار.

تحديات الاقتصاد الكلي

وأورد التقرير أن الظرفية الدولية والأزمات المتتالية زادت من تعقيد الإصلاح، حيث بلغ التضخم 6.6 في المائة سنة 2022 و6.1 في المائة سنة 2023، بينما استقر الدين العمومي في حدود 83.3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وبلغ عجز الميزان التجاري 304.9 مليار درهم سنة 2025.

كما يمثل الاقتصاد غير المهيكل حوالي 30 في المائة من الناتج الداخلي الخام، في حين تقدر كلفة الفساد بنحو 50 مليار درهم سنوياً، وهو ما يفسر احتلال المغرب المرتبة 99 عالمياً في مؤشر مدركات الفساد.

وفي السياق ذاته، سجل التقرير انهيار معدل النشاط الاقتصادي إلى 43 في المائة سنة 2025، واستمرار ضعف مشاركة النساء في حدود 19 في المائة، مع بقاء أكثر من 1.5 مليون شاب خارج التعليم والشغل والتكوين.

يخلص التقرير إلى أن النموذج التنموي الجديد حقق قفزة اجتماعية مهمة عبر ورش الحماية الاجتماعية والاستثمار، لكنه لا يزال يواجه اختلالات بنيوية عميقة على مستوى التشغيل وجودة الخدمات العمومية والعدالة المجالية، وهي اختلالات تحد من الأثر الفعلي للإصلاحات على حياة المواطنين.

وبين طموح بلوغ نمو يفوق 6 في المائة، وواقع اقتصادي لا يزال يدور في حدود 3 إلى 4 في المائة، يظل الرهان الأكبر هو الانتقال من منطق الإصلاحات القطاعية إلى منطق التحول الهيكلي الشامل، القادر على إعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسات العمومية، وضمان أن تتحول الأرقام والمؤشرات إلى أثر اجتماعي ملموس يشعر به المواطن في معيشه اليومي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى