بين دهاليز القضاء وجراح التاريخ: ملف آيت الجيد يعود إلى الواجهة.. إلى أين تتجه لحظة حقيقة “القتل” في قضيةالقيادي في العدالة و التنمية حامي الدين؟

قضية لا يطويها الزمن ولا يسقطها النسيان
بعد مرور أزيد من ثلاثة عقود على أحداث سنة 1993 داخل الحرم الجامعي بظهر المهراز بمدينة فاس، ما تزال قضية الطالب محمد بنعيسى آيت الجيد تحضر بقوة في النقاش القضائي والحقوقي بالمغرب، باعتبارها من الملفات التي طبعتها تعقيدات مرتبطة بسياقات تاريخية، وصراعات فكرية، ومسار قضائي امتد عبر مراحل متعددة.
القضية التي ظلت لسنوات طويلة موزعة بين أرشيفات القضاء وسجالات الساحة العامة، عادت إلى الواجهة في سياق مستجدات إجرائية مرتبطة بالملف الذي يتابع فيه القيادي في حزب العدالة والتنمية عبد العالي حامي الدين.
وفي هذا الإطار، قررت غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بفاس، صباح اليوم الاثنين، تأجيل النظر في القضية إلى 15 أكتوبر المقبل، وذلك بسبب ظروف صحية مرتبطة بأحد أعضاء هيئة الدفاع، إضافة إلى طلب مهلة لإعداد المرافعات.
ويأتي هذا التأجيل في سياق مسار قضائي متواصل لملف ظل مفتوحاً على مراحل متعددة من التقاضي وإعادة النظر.
خلفية تاريخية: سياق جامعي متوتر وصراعات إيديولوجية
ترتبط هذه القضية بسياق عام يعود إلى بداية تسعينيات القرن الماضي، حيث كانت عدد من الجامعات المغربية، وعلى رأسها جامعة ظهر المهراز بفاس، تعرف احتقاناً إيديولوجياً بين تيارات طلابية ذات توجهات سياسية وفكرية متباينة.
وخلال هذه المرحلة، شهد محيط الجامعة في مارس 1993 أحداثاً انتهت بوفاة الطالب محمد بنعيسى آيت الجيد خارج أسوار المؤسسة الجامعية، عقب مواجهة عنيفة جرت في ظروف متوترة، وأسفرت عن إصاباته بجروح بليغة أودت بحياته.
ومنذ ذلك التاريخ، لم يُغلق الملف نهائياً، بل ظل موضوعاً لتعدد الروايات والشهادات والتكييفات القانونية، في سياق مسار قضائي عرف مراحل متتابعة من البحث وإعادة التقييم.
مسار قضائي مهني و نزيه للتداول في ملفات حارقة
عرف الملف خلال مساره القضائي الطويل عدة محطات، تميزت بتطور في التكييف القانوني للوقائع، وبإعادة دراسة عدد من المعطيات والشهادات المرتبطة بالقضية.
ففي مراحل سابقة، صدرت أحكام اعتبرت الوقائع في إطار “المشاجرة المؤدية إلى الوفاة”، قبل أن تتم لاحقاً إعادة فتح الملف استناداً إلى معطيات جديدة وشهادات أعيد تقديمها أمام القضاء.
وفي مرحلة لاحقة، أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية بفاس حكماً بإدانة عبد العالي حامي الدين بثلاث سنوات حبسا نافذاً، بعد إعادة تكييف التهمة إلى “المشاركة في الضرب والجرح المفضي إلى الموت دون نية إحداثه”.
هذا التطور في التكييف القانوني أعاد فتح نقاش قانوني حول عدد من المبادئ الإجرائية، من بينها مبدأ “سبقية البت”، ومدى إمكانية إعادة النظر في وقائع قديمة في ضوء معطيات جديدة يتم تقديمها خلال مراحل التقاضي.
وفي المقابل، يتمسك الدفاع بدفوع قانونية تعتبر أن الملف سبق البت فيه، وأن إعادة فتحه يثير إشكالات مرتبطة بمبدأ الاستقرار القانوني والأمن القضائي، بينما يرى الطرف المدني أن ظهور معطيات جديدة يبرر استمرار المسطرة القضائية في إطار استكمال عناصر الحقيقة،و تبقى الكلمة الأخيرة و الفصل للقضاء الذي يواصل عمله بتجرد و نزاهة بعيدا عن أي تأويلات أو صراعات إيديولوجية.
أبعاد سياسية وسياق عام للنقاش
يحضر البعد السياسي في هذا الملف من خلال ارتباطه بسياق تاريخي عرف تداخلاً بين الفعل الطلابي والاصطفافات الفكرية التي ميزت تلك المرحلة داخل الجامعة المغربية.
فمن جهة، تعتبر هيئة الدفاع عن المطالبين بالحق المدني أن الملف لم يحظ بالمعالجة الكاملة في مراحل سابقة، وأن استمراره أمام القضاء يندرج ضمن مسار البحث عن الحقيقة واستكمال عناصر الملف.
ومن جهة أخرى، يعتبر دفاع المتهم أن متابعة القضية في هذا التوقيت تطرح تساؤلات مرتبطة بالسياق العام لإعادة طرح ملفات قديمة، مع التأكيد على الطابع القضائي البحت للنزاع.
وبين الموقفين، يظل القضاء هو الجهة المخولة قانوناً بالنظر في الأدلة والوقائع، واتخاذ القرارات وفقاً لما يثبته الملف من معطيات.
محطة أكتوبر: مسار مفتوح على مزيد من التطورات
يمثل تأجيل الجلسة إلى شهر أكتوبر المقبل امتداداً لمسار قضائي ما يزال مستمراً، في ملف تتداخل فيه الأبعاد القانونية مع السياق التاريخي الذي نشأت فيه القضية.
ويأتي هذا التأجيل ليضيف محطة جديدة إلى مسار طويل من الإجراءات القضائية التي عرفها الملف عبر سنوات، دون أن يتم الحسم النهائي فيه إلى حدود المرحلة الراهنة.
وبين استمرار المسطرة القضائية وتعدد المواقف القانونية، يظل الملف مفتوحاً على تطورات مرتبطة بما ستسفر عنه الجلسات المقبلة.
تواصل قضية محمد بنعيسى آيت الجيد حضورها داخل المشهد القضائي المغربي كملف امتد عبر الزمن، وعرف تعدد مراحل التقاضي وإعادة النظر، في إطار مسار ما يزال مستمراً أمام القضاء.
ومع اقتراب موعد جلسة أكتوبر المقبل، يبقى الملف في مرحلة انتظار إجرائي جديد ضمن مسطرة لم تُستكمل بعد، في قضية ما تزال موضوع متابعة قضائية قائمة.






