اقتصاد

فاس الصناعية تصعد بهدوء نحو العالمية… من تراث عريق إلى “عقل” القطارات الحديثة بشراكات دولية واستثمارات نوعية

في مشهد يعكس التحول العميق الذي تشهده المنظومة الاقتصادية بالمغرب، تبرز مدينة فاس اليوم كنموذج صاعد لنجاح الرهان على الصناعة المتقدمة وجذب الاستثمارات الدولية، حيث انتقلت من حاضرة تاريخية عريقة إلى قطب صناعي واعد يساهم في إعادة رسم موقع المملكة ضمن سلاسل القيمة العالمية.

هذا التحول لم يأتِ صدفة، بل هو ثمرة عمل دؤوب وتراكم استراتيجي قائم على تطوير البنيات التحتية، وتأهيل الرأسمال البشري، وتعزيز جاذبية الجهة لاستقطاب كبريات الشركات العالمية، وفي مقدمتها المجموعة الصناعية Alstom، الرائدة في مجال النقل السككي.

شراكات دولية تُحوّل فاس إلى منصة صناعية متقدمة

في قلب هذا التحول، نجحت فاس في احتضان وحدة صناعية عالية التكنولوجيا تُعد من بين المنشآت القليلة عالمياً المتخصصة في أنظمة الكابلات والتجهيزات الكهربائية الدقيقة الخاصة بالقطارات الحديثة، ما جعل المدينة ضمن نادي عالمي محدود في هذا المجال.

هذه الوحدة، الممتدة على مساحة تناهز 34 ألف متر مربع، لا تقتصر على الإنتاج الصناعي فحسب، بل تمثل حلقة استراتيجية ضمن شبكة دولية تمتد نحو أسواق متعددة، من أوروبا إلى آسيا وأستراليا، مروراً بالشرق الأوسط، وهو ما يعكس انخراط المغرب في شراكات اقتصادية متعددة الأبعاد، قائمة على تبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا.

صناعة متقدمة تُحرّك عجلة الاستثمار والتشغيل

وقد أسهم هذا المشروع الصناعي في خلق أكثر من 1000 منصب شغل مباشر، إلى جانب آلاف فرص العمل غير المباشرة، ما يعزز الدينامية الاقتصادية بالجهة، ويؤكد أن الاستثمار في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية أصبح رافعة حقيقية للتنمية.

وتشمل الأنشطة الصناعية المنجزة بفاس تصنيع الأنظمة الكهربائية المعقدة، وكيلومترات من الكابلات الدقيقة، إلى جانب تجهيزات القيادة الرقمية المتطورة، التي تُعتبر بمثابة “العقل الإلكتروني” للقطارات فائقة السرعة والترامواي والقاطرات الحديثة.

من المناولة إلى الابتكار… تحول نوعي في النموذج الصناعي

الأهم في هذا المسار، أن فاس لم تعد مجرد منصة للمناولة الصناعية، بل انتقلت إلى مرحلة متقدمة عنوانها الابتكار والإنتاج عالي الجودة، خاصة مع إطلاق خطوط إنتاج مخصصة لأنظمة القيادة الذكية للقطارات، وهو ما يعكس توجهاً واضحاً نحو الصناعات المستقبلية.

هذا التحول يعزز مكانة المغرب كشريك صناعي موثوق، قادر على مواكبة التحولات التكنولوجية العالمية، وتقديم حلول صناعية متطورة تستجيب لمتطلبات الأسواق الدولية.

فاس… رافعة جهوية في استراتيجية وطنية طموحة

ويأتي هذا التطور في سياق رؤية وطنية شاملة تهدف إلى تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز تنافسيته، من خلال دعم الاستثمار الصناعي وتوسيع قاعدة الشراكات الدولية، وهو ما يجعل من فاس إحدى الركائز الجهوية الأساسية في هذا الورش الوطني الكبير.

ويرى متتبعون أن ما تحقق اليوم يعكس نجاح المغرب في خلق بيئة استثمارية محفزة، قائمة على الاستقرار، والانفتاح، وتكامل الرؤى بين القطاعين العام والخاص، بما يتيح استقطاب مشاريع صناعية كبرى قادرة على إحداث أثر اقتصادي واجتماعي ملموس.

عنوان مرحلة جديدة

فاس، التي كانت عبر التاريخ منارة للعلم والثقافة، تكتب اليوم فصلاً جديداً في مسارها، عنوانه الصناعة والتكنولوجيا والشراكات الدولية. ومن خلال هذا التحول، تؤكد المدينة أن المستقبل لا يُبنى فقط على الماضي، بل على القدرة على التكيف والابتكار والانخراط في الاقتصاد العالمي.

وفي هذا السياق، يندرج هذا التحول الصناعي الذي تشهده فاس ضمن الرؤية الملكية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، التي جعلت من تطوير الصناعة المتقدمة، خاصة في مجالات القطارات والطيران والتكنولوجيا الحديثة، ركيزة أساسية للنموذج التنموي الوطني. كما تعكس هذه الدينامية انخراط سلطات ولاية جهة فاس-مكناس في مواكبة مختلف المبادرات الاستثمارية، من خلال التفاعل الميداني والتواصل المباشر مع المستثمرين، وتنزيل التوجيهات الملكية على أرض الواقع، بما يعزز مكانة مدينة فاس، ذات الاثني عشر قرناً من التاريخ، كقطب اقتصادي وصناعي صاعد و متجدد في مختلف المجالات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى