انتخابات قبل أوانها داخل الجماعات: حين تتحول دورات المجالس إلى منصات حملة مقنّعة… وأعين الداخلية مطالَبة بالحسم

تشهد عدد من الجماعات الترابية، حركية غير مألوفة تسبق انعقاد الدورات العادية لشهري ماي ويونيو، في مشهد يختلط فيه التدبير المحلي بالحسابات الانتخابية، بشكل يثير أكثر من علامة استفهام حول حدود الشرعية المؤسساتية واحترام قواعد المنافسة السياسية.
فوفق معطيات متطابقة، دخل منتخبون حاليون وآخرون يتهيأون لخوض غمار الاستحقاقات التشريعية المقبلة على خط إعداد جداول أعمال هذه الدورات، ليس من زاوية الاستجابة الفعلية لحاجيات الساكنة، بل من منطلق توظيفها كمنصات غير مباشرة لحملات انتخابية سابقة لأوانها. وتُسجَّل في هذا السياق محاولات حثيثة لإدراج مشاريع ذات وقع اجتماعي سريع، يمكن تسويقها لاحقاً كـ“منجزات” في الخطاب الانتخابي.
هذا التوجه لا يقف عند حدود البرمجة التقنية، بل يمتد إلى ما يشبه هندسة سياسية دقيقة لجداول الأعمال، تُراعى فيها التوازنات والتحالفات، بل وحتى استمالة بعض مكونات المعارضة لتمرير نقاط بعينها دون ضجيج، في توافقات ظرفية لا تعكس بالضرورة انسجاماً سياسياً، بقدر ما تعكس ضغط المرحلة الانتخابية.
“سطو سياسي” على اختصاصات المجالس
في خضم هذه الدينامية، برزت انتقادات من فاعلين محليين اعتبروا أن بعض المنتخبين يسعون إلى “السطو السياسي” على اختصاصات المجالس الجماعية، عبر محاولة الظهور في واجهة القرارات والمشاريع، رغم أن المسؤولية القانونية والتدبيرية تعود للمؤسسات المنتخبة محلياً. هذا التداخل، بحسب متتبعين، يُفرغ العمل الجماعي من محتواه، ويحوّل الدورات الرسمية إلى واجهات لتصفية الحسابات أو تحسين المواقع الانتخابية.
كما أن تكثيف الاجتماعات غير المعلنة في فضاءات مغلقة، كالفنادق والمقاهي، للتنسيق حول طبيعة المشاريع وتوزيع الأدوار، يكشف عن مستوى متقدم من “التحضير الموازي”، الذي يتم خارج القنوات المؤسساتية، ويطرح تساؤلات حول شفافية اتخاذ القرار المحلي.
ضغط الزمن الانتخابي يحرّك المياه الراكدة
اللافت أن جماعات كانت تعاني لسنوات من جمود تنموي واضح، تحوّلت فجأة إلى أوراش مفتوحة، في سباق مع الزمن لتدارك التأخر، واستمالة الناخبين قبل موعد الاقتراع. وهو ما يعزز الانطباع بأن بعض المشاريع لا تُبرمج وفق أولويات تنموية حقيقية، بل وفق حسابات ظرفية مرتبطة بكسب النقاط السياسية.
ويرى متتبعون أن دورة ماي تحديداً تُعد لحظة مفصلية، باعتبارها آخر محطة قبل دخول مرحلة الصمت الانتخابي، ما يفسر حجم الضغط المسلط على جداول الأعمال، ومحاولات تمرير أكبر عدد ممكن من البرامج ذات الطابع الاجتماعي أو الخدمي.
ضرورة تدخل حازم لسلطات الوصاية
أمام هذا الوضع، تتعالى الدعوات إلى تدخل حازم من طرف وزارة الداخلية، من خلال تفعيل آليات المراقبة الإدارية والقانونية، والتشديد على دور الولاة والعمال في تتبع مدى احترام المجالس الجماعية لاختصاصاتها الحقيقية، ومنع أي انزلاق نحو توظيف الدورات الرسمية لأغراض انتخابية سابقة لأوانها.
فالمطلوب اليوم، وفق فاعلين، هو تكثيف المراقبة القبلية والبعدية على جداول الأعمال، والتصدي لكل نقطة أو مشروع يُشتبه في توظيفه لأغراض دعائية، حفاظاً على حياد المرفق العمومي، وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين السياسيين.
كما أن المرحلة تفرض وضوحاً أكبر في الفصل بين ما هو تدبير محلي وما هو نشاط سياسي، حتى لا تتحول الجماعات الترابية إلى أدوات في خدمة أجندات انتخابية ضيقة، على حساب انتظارات المواطنين.
رهان المصداقية قبل صناديق الاقتراع
في المحصلة، يكشف هذا الحراك عن أزمة ثقة متنامية في العمل السياسي المحلي، حيث تُستعمل آليات التدبير كوسائل للتسويق الانتخابي بدل أن تكون أدوات لخدمة التنمية. وهو ما يضع الدولة أمام مسؤولية حماية المسار الديمقراطي من أي انحراف مبكر، وضمان أن تظل المؤسسات في خدمة المواطن، لا في خدمة الحملات المقنّعة.
فالانتخابات، في جوهرها، يجب أن تُخاض في إطارها الزمني والقانوني، لا أن تبدأ من داخل قاعات المجالس، تحت غطاء جداول أعمال تُفصّل على مقاس الطموحات السياسية.






