سياسة

إقليم بولمان: الالتقائية الترابية من التشخيص إلى الفعل… لقاء تشاوري يرسم ملامح إقلاع حقيقي لقطاع الشباب

سياق وطني يؤسس لمرحلة جديدة

في سياق الدينامية الوطنية الهادفة إلى إنجاح المناظرة الوطنية الأولى لمؤسسات الشباب، المرتقبة خلال شهر ماي المقبل، والتي تشرف على تنظيمها وزارة الشباب والثقافة والتواصل، تتواصل عبر مختلف أقاليم المملكة سلسلة اللقاءات التشاورية ضمن آلية “خميس المناظرة”، باعتبارها محطة مفصلية لإشراك الفاعلين الترابيين والمؤسساتيين في بلورة تصور متكامل لسياسة عمومية جديدة موجهة لمؤسسات الشباب. وتراهن هذه المحطة الوطنية على وضع إطار مرجعي واضح يحدد وظائف هذه المؤسسات وأدوارها، مع إعادة صياغة مقاربات التدخل بما يضمن تحسين جودة الخدمات المقدمة لفائدة الطفولة والشباب، في انسجام مع التحولات المجتمعية الراهنة.

لقاء بولمان… محطة تشاورية ذات أبعاد استراتيجية

في هذا الإطار، احتضن مقر عمالة إقليم بولمان، أمس الخميس 26 مارس 2026، لقاءً تشاورياً إقليمياً نظمته المديرية الإقليمية لقطاع الشباب، تحت رئاسة عامل الإقليم، علال الباز، وبحضور وازن لممثلي السلطات المحلية، والمصالح اللاممركزة، والجماعات الترابية، إضافة إلى فعاليات المجتمع المدني والشبيبات الحزبية وأندية العمل المباشر. وقد انعقد هذا اللقاء تحت شعار “الالتقائية الترابية في خدمة مؤسسات الشباب”، في تأكيد واضح على ضرورة تجاوز المقاربات القطاعية الضيقة، واعتماد رؤية مندمجة تقوم على التنسيق وتكامل الأدوار بين مختلف المتدخلين في المجال الشبابي.

كلمة العامل… من التشخيص إلى منطق الفعل

تميزت الجلسة الافتتاحية بكلمة توجيهية قوية ألقاها عامل الإقليم، علال الباز، أكد فيها أن الرهان الأساسي لم يعد يقتصر على تشخيص أعطاب مؤسسات الشباب، بل يتجاوز ذلك نحو بلورة حلول عملية قادرة على إعادة الاعتبار لهذه الفضاءات الحيوية. وشدد على أن الشباب يمثل الثروة الحقيقية للأمة، انسجاماً مع التوجيهات السامية لـجلالة الملك محمد السادس، داعياً إلى تمكينه من آليات الإبداع والمشاركة الفاعلة في التنمية. كما أبرز أن مؤسسات الشباب يجب أن تتحول إلى منصات حقيقية للتأطير والتكوين والإدماج، بدل أن تظل مجرد مرافق جامدة تفتقر إلى الفعالية والتأثير.

نقاش عمومي صريح حول التحديات القائمة

اتسمت أشغال اللقاء بنقاش عمومي مسؤول وصريح، حيث تم طرح مختلف الإشكالات التي تعاني منها مؤسسات الشباب بالإقليم، من قبيل ضعف جاذبيتها لدى الفئات المستهدفة، ومحدودية البرامج التأطيرية، ونقص الموارد البشرية المؤهلة، إلى جانب هشاشة بعض البنيات التحتية وغياب التنسيق الفعلي بين المتدخلين. وقد شكل هذا النقاش لحظة تشخيص جماعي دقيق، عكس وعياً متقدماً بضرورة القطع مع المقاربات التقليدية، والانتقال إلى نموذج جديد يرتكز على النجاعة والابتكار والتكامل.

محاور استراتيجية لإعادة هيكلة القطاع

العرض التأطيري الذي قدمته المديرية الإقليمية لقطاع الشباب وضع أرضية تقنية للنقاش، حيث تمحورت المداخلات حول ستة محاور أساسية همت تعزيز دور مؤسسات الشباب كمرافق عمومية للقرب، وتحقيق الالتقائية الترابية لضمان انسجام السياسات العمومية، وتفعيل آليات الشراكة والتنسيق بين مختلف الفاعلين، إلى جانب دعم الجماعات الترابية وتعزيز دور المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في تأهيل البنيات التحتية، وتنشيط الحياة الجمعوية داخل هذه الفضاءات، فضلاً عن تثمين مخرجات اللقاءات الإقليمية لإغناء أشغال المناظرة الوطنية.

حضور وازن وتفاعل يعكس نضجاً جماعياً

عرف هذا اللقاء حضوراً متميزاً لمختلف الفاعلين الترابيين والمؤسساتيين، حيث أبانت المداخلات عن مستوى عالٍ من الجدية والمسؤولية، وتميزت بطرح مقترحات عملية وقابلة للتنزيل، همّت تأهيل مؤسسات الشباب، وتطوير برامج مبتكرة تستجيب لانتظارات الشباب، وتعزيز الشراكات المحلية، فضلاً عن إشراك الشباب أنفسهم في بلورة السياسات العمومية الموجهة إليهم. وقد عكس هذا التفاعل نضجاً جماعياً في التعاطي مع قضايا الشباب، وإرادة حقيقية للانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الإنجاز.

جهود عامل الإقليم… قيادة ميدانية لملف الشباب

برز من خلال هذا اللقاء الدور المحوري الذي يضطلع به عامل الإقليم، علال الباز، في الدفع بملف الشباب إلى صدارة الأولويات التنموية، من خلال تبني مقاربة ميدانية قائمة على الإنصات والتنسيق والتتبع المستمر. وقد تجلى ذلك في حرصه على توحيد جهود مختلف المتدخلين، ودعم مشاريع تأهيل مؤسسات الشباب، وتعزيز الشراكات مع الجماعات الترابية والفاعلين المحليين، بما يضمن تجويد الخدمات المقدمة لهذه الفئة الحيوية وربطها بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي.

مخرجات وتوصيات نحو رؤية متكاملة

أسفرت أشغال اللقاء عن بلورة أرضية توصيات متكاملة، سيتم رفعها كإسهام نوعي من إقليم بولمان إلى المناظرة الوطنية، وتهم بالأساس إعداد خارطة طريق واضحة لتطوير مؤسسات الشباب، وتحديد أولويات التدخل، وتحسين جودة الخدمات، إلى جانب إحداث برامج مبتكرة تستجيب للتحولات المجتمعية. كما تروم هذه التوصيات إرساء نموذج جديد يجعل من مؤسسات الشباب فضاءات حقيقية للتأطير والتكوين والمواكبة.

نحو جيل جديد من مؤسسات الشباب

يؤشر هذا المسار التشاوري، الذي يتميز بسلمية النقاش وعمقه، على تحول نوعي في التعاطي مع قضايا الشباب، حيث لم يعد الأمر يتعلق بمقاربات ظرفية، بل برؤية استراتيجية شاملة قوامها الالتقائية والتكامل. وفي هذا الإطار، يبدو أن إقليم بولمان يخطو بثبات نحو إرساء نموذج تنموي محلي جديد، يجعل من مؤسسات الشباب رافعة أساسية للتنمية، ومن الشباب فاعلاً محورياً في بناء المستقبل، في انسجام تام مع التوجيهات الملكية السامية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى