ثقافة

عودة الروح إلى ساحة بوجلود… فاس تستعيد نبض “الحلقة” وتؤسس لفرجة شعبية متجددة

في مشهد أعاد إلى الأذهان زمن الفرجة الشعبية الأصيلة، قام والي جهة فاس–مكناس، خالد آيت طالب، مساء أمس الخميس(26 مارس 2026)، مرفوقاً بوفد رسمي، بجولة تفقدية بساحة ساحة بوجلود، تزامناً مع اليوم الأول من إعادة إطلاق التنشيط الثقافي والترفيهي وفضاءات الفرجة، في مبادرة تروم إعادة الاعتبار لهذا الفضاء التاريخي الذي ظل لسنوات خارج دينامية المدينة.

ورغم التساقطات المطرية التي رافقت انطلاقة هذا الحدث، شهدت الساحة إقبالاً جماهيرياً لافتاً، حيث حجّ المواطنون والزوار لمتابعة عروض فن “الحلقة”، التي أبدع فيها “الحلايقية” بتقديم فقرات متنوعة تجمع بين الفكاهة، والسرد التراثي، وفنون الأداء الشعبي، في لوحة أعادت الدفء إلى ذاكرة المدينة وروحها الثقافية.

“الحلقة”… ذاكرة فنية متجددة

فن الحلقة، الذي يعد أحد أعرق أشكال التعبير الشعبي بالمغرب، لم يكن مجرد عرض ترفيهي، بل شكل مساحة للتفاعل المباشر بين الفنان والجمهور، حيث تتداخل الحكاية بالنكتة، والارتجال بالتعبير الجسدي، في تقليد فني ظل صامداً أمام تحولات الزمن. وقد أبان “الحلايقية” عن قدرة لافتة على استعادة هذا الإرث وتقديمه بروح معاصرة تحافظ على أصالته وتستجيب لانتظارات الجمهور.

برمجة منتظمة لإحياء الساحة

وحسب المعطيات المتوفرة، ستتحول ساحة بوجلود إلى منصة مفتوحة للعروض الفنية طيلة ثلاثة أيام في الأسبوع (الخميس، الجمعة، السبت)، بما يضمن استمرارية التنشيط الثقافي ويكرّس الساحة كفضاء دائم للفرجة الشعبية، وليس مجرد مبادرة ظرفية.

رؤية لإعادة الاعتبار لفضاء تاريخي

تندرج هذه الخطوة ضمن رؤية متكاملة تقودها ولاية جهة فاس–مكناس لإعادة الروح إلى ساحة بوجلود، التي تشكل المدخل الرئيسي للمدينة العتيقة، وواجهة أولى للسياح الأجانب. فبعد سنوات من التوقف والإخلاء، تعود الساحة اليوم إلى احتضان جمهورها، مع طموح تطويرها عبر تحسينات مستقبلية تجعلها تضاهي إشعاع ساحة جامع الفنا، باعتبارها فضاءً عالمياً لفنون الفرجة.

فاس… عمق حضاري وسياحي متجدد

وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي تحتلها فاس كواحدة من أعرق الحواضر الإسلامية، بتاريخ يمتد لأكثر من 12 قرناً، وزخم تراثي غني بأسوارها العتيقة، وأبوابها التاريخية، وأزقتها الضيقة التي تشكل متحفاً مفتوحاً للحضارة المغربية.

أبعاد اقتصادية وثقافية واعدة

لا تقتصر إعادة إحياء ساحة بوجلود على بعدها الثقافي فقط، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية، حيث من المنتظر أن تسهم في:

  • تنشيط الحركة السياحية بالمدينة العتيقة
  • خلق فرص دخل إضافية لفناني الحلقة والممارسين للفنون الشعبية
  • تعزيز جاذبية فاس كوجهة سياحية ثقافية
  • دعم الاقتصاد المحلي المرتبط بالخدمات والأنشطة الموازية

جهود السلطات ورهان النجاح

تعكس هذه المبادرة انخراطاً فعلياً للسلطات المحلية وولاية الجهة في تثمين التراث اللامادي، وإعادة الاعتبار للفضاءات العمومية ذات الرمزية التاريخية. غير أن نجاح هذا الورش يظل رهيناً بتضافر جهود مختلف المتدخلين، من سلطات محلية، ومجالس منتخبة، وفعاليات مدنية، وفنانين، لضمان استمرارية المشروع وتطويره.

في المحصلة، تبدو ساحة بوجلود وهي تستعيد نبضها الثقافي، كأنها تعلن عن بداية مرحلة جديدة، تعود فيها فاس إلى الواجهة كحاضنة للفنون الشعبية، وفضاء حيّ يجمع بين أصالة الماضي وإشعاع الحاضر، في أفق ترسيخ مكانتها كعاصمة ثقافية وسياحية بامتياز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى