قضايا

المغرب يبرهن على قوة الدولة وقدرتها الاستباقية في مواجهة الفيضانات الأخيرة بتوجيهات سامية من الملك محمد السادس

شكلت الفيضانات التي اجتاحت المغرب خلال الأسابيع الماضية اختبارًا عمليًا دقيقًا لقدرة الدولة على مواجهة كارثة طبيعية واسعة النطاق، في ظرف يتسم بسرعة الأحداث وضغط الزمن وتغير المعطيات. ولم تكن كمية الأمطار أو اتساع المساحات المتضررة وحدها مقياسًا للتحدي، بل قدرة السلطات على قراءة المؤشرات بسرعة، واتخاذ القرارات المناسبة، وتنسيق التدخلات بشكل يحمي الأرواح ويحافظ على استمرارية المرافق الحيوية، وهو ما يعكس بدقة التوجيهات السامية لجلالة الملك محمد السادس، الذي شدد منذ البداية على حماية المواطنين واستباق المخاطر الطبيعية.

أظهرت الوقائع أن منظومة التنبؤ والإنذار المبكر للفيضانات، المبنية على دمج بيانات الأرصاد الجوية مع النماذج الهيدرولوجية وتحليل تدفقات الأودية، تمكنت من تقدير ذروة السيول قبل وقوعها، ما أتاح البدء في عمليات الإجلاء الوقائي لمناطق الخطر. وبحسب المعطيات الرسمية، شملت هذه العمليات أكثر من 154 ألف شخص، ووصل العدد في بعض المراحل إلى نحو 188 ألفا، وهو رقم يعكس مستوى عالياً من الاستعداد وسرعة اتخاذ القرار، بما يتماشى مع توجيهات الملك محمد السادس حول التدخل السريع لضمان سلامة المواطنين.

وفي مدينة القصر الكبير وحدها، تم إجلاء عشرات الآلاف في وقت وجيز، ما ساهم في الحد من الخسائر البشرية رغم قوة التساقطات واتساع المناطق المتضررة. وتعكس هذه الخطوة التحكم في الإيقاع الزمني للأزمة، إذ يتيح امتلاك المبادرة الزمنية توجيه الأحداث بدل الانجرار خلفها، وهو مؤشر جوهري في تقييم أداء الدولة والمؤسسات في ظروف الضغط العالي، انسجامًا مع الرؤية الملكية التي تركز على الحكامة الميدانية المبنية على الاستباقية والفعالية.

تمت عمليات الإجلاء والتدخلات الطارئة عبر تعبئة متزامنة لمختلف أجهزة الدولة: الحكومة بمختلف قطاعاتها، القوات المسلحة الملكية، الدرك الملكي، الأمن الوطني، الوقاية المدنية، السلطات الترابية، بالإضافة إلى فرق الدعم الطبي والاجتماعي، ضمن تنسيق مباشر لتطبيق التعليمات السامية للملك. ويبرز هذا التكامل المؤسساتي قدرة الدولة على توحيد جهود متعددة تحت قيادة موحدة نحو هدف واحد، ما يعكس درجة متقدمة من فعالية الحوكمة المؤسسية، ويؤكد التزام الإدارة العامة بتعليمات الملك محمد السادس المتعلقة بحماية الأرواح والممتلكات في حالات الكوارث الطبيعية.

لم يتوقف التدخل عند مرحلة الإنقاذ فقط، بل تواصل مباشرة بعد انحسار المياه من خلال إطلاق برنامج دعم وإعادة تأهيل بقيمة تقارب 3 مليارات درهم لفائدة المتضررين، يشمل تعويضات تصل إلى 140 ألف درهم لإعادة بناء المساكن المتضررة، بالإضافة إلى إصلاح الطرق والمنشآت، ودعم الأنشطة الاقتصادية والفلاحية. وتعكس سرعة الانتقال من التدخل الطارئ إلى إعادة الاستقرار قدرة عالية على الاستمرارية الوظيفية للمؤسسات، وهو ما يترجم روح توجيهات الملك محمد السادس بشأن توفير حماية شاملة للمواطنين، وضمان استعادة الحياة الطبيعية بسرعة وأمان.

تزداد أهمية هذه المؤشرات عند مقارنتها بتجارب دول الجوار التي شهدت اضطرابات مماثلة، مثل إسبانيا والبرتغال، حيث سجلت وفيات وخسائر مادية أكبر، وتم إجلاء أعداد أقل بكثير من السكان. وقد أثارت طريقة التدخل المغربية اهتمام البرلمانات والمؤسسات الدولية، حيث استشهدت التجربة المغربية في البرتغال كنموذج ناجع في سرعة الإجلاء وفعالية التدخل الاستباقي، وهو مؤشر على تبوؤ المغرب موقعًا مرجعيًا في إدارة الأزمات الطبيعية، متماشيًا مع توجيهات الملك التي تركز على جعل الدولة المغربية نموذجًا في الحماية المدنية والاستباقية.

إلى جانب الجهد المؤسسي، لعبت القدرة على التفاعل المجتمعي دورًا محورياً، ما يُعرف بمفهوم المرونة الاجتماعية، أي قدرة المجتمع على التماسك والتعاون تحت الضغط بما يعزز سرعة ونجاعة الاستجابة. وقد برهنت الوقائع الميدانية على مستوى عالٍ من التضامن بين المواطنين وفرق التدخل، ما ساهم في تعزيز سرعة الاستجابة وتقليل احتمالات الارتباك، وهو عامل يضاعف فعالية الأداء المؤسسي، ويترجم توجيهات الملك محمد السادس الداعية إلى إشراك المواطن في مواجهة الأزمات والمساهمة في التخفيف من آثارها.

ليس هذا المشهد جديدًا في التجربة المغربية، فقد برزت ديناميكية التنسيق بين الدولة والمجتمع في أزمات سابقة، مثل جائحة كورونا وزلزال الحوز سنة 2023، حيث أظهر تلاحم المؤسسات والمبادرات المجتمعية قدرة الدولة على حماية المواطنين وإعادة انتظام الحياة العامة حتى في الظروف الحرجة. ويشير هذا التكرار إلى أن التوجيهات الملكية ليست شعارات نظرية، بل تتحول إلى أفعال ملموسة على الأرض، ويُترجم ذلك في الأداء الميداني السريع والمنسق.

تثبت التجربة الأخيرة أن قدرة الدولة المغربية على إدارة الفيضانات لم تُقاس بالشعارات أو البيانات النظرية، بل بقدرتها الفعلية على حماية المجتمع وإعادة انتظام الحياة العامة بثبات وثقة عند ذروة التحديات، وهو ما يعكس الالتزام المستمر بتوجيهات الملك محمد السادس للحفاظ على الأرواح والممتلكات، وضمان الحماية الشاملة للمواطنين، وإعادة الأمن الاجتماعي والاقتصادي بسرعة وكفاءة.

تجسد هذه التجربة نجاحًا مزدوجًا: قدرة مؤسسات الدولة على التدخل السريع والمتكامل، ومرونة المجتمع في التعاون والتفاعل، وهو ما يرفع من شعور الفخر والانتماء الوطني، ويؤكد أن توجيهات جلالة الملك محمد السادس ليست مجرد خطوط عريضة، بل تعمل كخارطة طريق لفعالية الدولة، تجعل المغرب نموذجًا يحتذى به في مواجهة الكوارث الطبيعية وإدارة الأزمات الكبرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى