سباق 2026 نحو رئاسة الحكومة… بين شوكي والمنصوري وصراع التموقعات داخل المشهد الحزبي

مع اقتراب أفق الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، يتجدد المشهد السياسي المغربي على إيقاع التصريحات المسبقة والرهانات الكبرى، حيث تعلن أغلب الأحزاب – كعادتها – عزمها احتلال المرتبة الأولى وقيادة الحكومة المقبلة. غير أن منطق السياسة لا تحكمه الرغبات وحدها، بل موازين القوة، والتحالفات الممكنة، والسياقات الوطنية والدولية التي تفرض نفسها على الجميع.
في هذا السياق، يطرح سؤال الجاهزية بحدة: هل ما تزال بعض الأحزاب التقليدية قادرة فعلاً على تصدر المشهد؟ فـحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي يؤكد قادته امتلاكهم الحنكة السياسية، يبدو اليوم في نظر متتبعين فاقداً لزخم المرحلة، بعد سنوات من التراجع التنظيمي والانتخابي، وغياب بروفايلات قوية قادرة على إقناع الناخبين ببديل حكومي متماسك.
الأمر ذاته ينسحب جزئياً على حزب الاستقلال بقيادة نزار بركة، حيث يربط البعض عودته المحتملة إلى الصدارة بامتداد لمرحلة سابقة طبعت الحياة السياسية، ويثيرون تساؤلات حول مدى قدرة الحزب على قيادة مرحلة دقيقة، خاصة في ظل تطورات مرتبطة بالقضية الوطنية وورش تنزيل الحكم الذاتي، وما يتطلبه ذلك من توازن دقيق في الخطاب والممارسة السياسية داخلياً وخارجياً.
غير أن قلب المعادلة السياسية اليوم يبدو نابضاً داخل الأغلبية الحالية، وتحديداً بين مكونين رئيسيين: حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة.
فداخل “الحمامة”، يبرز اسم محمد شوكي كوجه يسعى إلى تثبيت موقعه في معادلة القيادة المستقبلية، محافظاً على القاعدة الانتخابية والمكتسبات التي تحققت خلال الولاية الحكومية الحالية. ويُنظر إلى شوكي باعتباره محاولة لتقديم نفس شبابي جديد قادر على ضمان الاستمرارية، لكن مع ضخ دماء تنظيمية مختلفة داخل الحزب. غير أن هذا الطموح يواجه تحديات حقيقية، أبرزها سؤال الاستقلالية في القرار، والقدرة على فرض رؤية خاصة داخل حزب اعتاد على قيادة مركزية قوية.
في المقابل، تتحرك فاطمة الزهراء المنصوري بثبات داخل حزب “الجرار”، واضعة نصب عينيها هدفاً واضحاً: منح الحزب صدارة المشهد، وفتح الباب أمام إمكانية تقديم أول امرأة لرئاسة الحكومة في تاريخ المغرب. هذا الرهان لا يقتصر على البعد الرمزي، بل يرتبط أيضاً بسعي الحزب إلى تثبيت فكرة التناوب السياسي، والتأكيد أن المرحلة المقبلة قد تكون مرحلته بامتياز.
لقد سبق لـحزب الأصالة والمعاصرة أن بلغ ذروة قوته الانتخابية خلال مرحلة قيادة إلياس العماري، حين تمكن من حصد أكثر من 100 مقعد برلماني، في واحدة من أقوى نتائجه الانتخابية. غير أن المعطيات الميدانية الحالية توحي بأن انتزاع هذا السقف العددي في استحقاقات 2026 لن يكون مهمة سهلة، لا للبام ولا لغيره من الأحزاب، في ظل تشظي الخريطة الحزبية وتنامي العزوف الانتخابي.
كما أن رهان الأصالة والمعاصرة يستند إلى تموقعه المبكر في الدفاع عن الجهوية المتقدمة ومقاربات قريبة من التصورات ذات البعد الفيدرالي، إضافة إلى رمزية كونه الحزب الوحيد الذي قاده في مرحلة سابقة اسم صحراوي وازن هو محمد الشيخ بيد الله، ما يمنحه – وفق بعض القراءات – قابلية أكبر للتفاعل مع ورش تنزيل الحكم الذاتي في أبعاده السياسية والمؤسساتية.
هكذا يبدو سباق 2026 مفتوحاً على أكثر من سيناريو:
إما استمرار منطق الاستمرارية عبر التجمع الوطني للأحرار بواجهة جديدة تحافظ على التوازنات القائمة،
أو انتقال المشعل إلى الأصالة والمعاصرة في إطار تناوب سياسي داخل نفس الأغلبية تقريباً، مع تعديلات محدودة في مكوناتها.
في النهاية، لن يُحسم الصراع بالشعارات ولا بالتصريحات الاستباقية، بل بمدى قدرة كل حزب على إقناع الناخبين ببرنامج واقعي، وتعبئة قواعده، وبناء تحالفات متماسكة. وبين شوكي الساعي إلى تثبيت الاستمرارية بوجه شبابي، والمنصوري الطامحة إلى كسر السقف الزجاجي وقيادة أول حكومة برئاسة امرأة، تتشكل ملامح معركة سياسية ستكون بلا شك من أبرز محطات الحياة الحزبية في المغرب خلال السنوات المقبلة.






