المغرب في اختبار الفيضانات: استنفار ملكي، تدخل ميداني صارم، ومعركة مفتوحة لفك العزلة وحماية الإنسان والمجال

متابعة : عبدالله مشواحي الريفي
في سياق مناخي استثنائي طبعته تساقطات مطرية غير مسبوقة، دخل المغرب خلال الأيام الأخيرة واحدة من أكثر مراحل الاستنفار الوطني حساسية، بعدما تحولت الأمطار الغزيرة إلى فيضانات وسيول جارفة حاصرت مدناً وقرى وهددت أرواح السكان ومصادر عيشهم، وهو ما استدعى تعبئة شاملة لمختلف أجهزة الدولة، في تدخل متعدد المستويات جرى تنفيذه تنفيذاً مباشراً للتعليمات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، التي شددت على حماية الأرواح وضمان الأمن المائي والغذائي وعدم ترك أي منطقة خارج دائرة التدخل.
منذ اللحظات الأولى لصدور النشرات الإنذارية، لم يكن التعاطي الرسمي مع الوضع محكوماً بمنطق الانتظار أو رد الفعل المتأخر، بل جرى تفعيل مقاربة استباقية قائمة على رفع درجة التأهب القصوى، حيث انعقدت لجان اليقظة الوطنية والجهوية، وتم توجيه الموارد البشرية واللوجستية إلى النقاط الأكثر هشاشة، في مشهد عكس وجود قرار مركزي واضح يقضي بأن مواجهة المخاطر الطبيعية لم تعد شأناً تقنياً صرفاً، بل قضية سيادية ترتبط مباشرة بأمن المواطنين واستقرار المجال.
القيادة الملكية لهذا الاستنفار لم تكن مجرد إطار توجيهي عام، بل شكلت فلسفة تدبير كاملة، جعلت من التنسيق بين القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والأمن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية والسلطات الترابية، عملاً موحداً يخضع لمنطق واحد، هو التدخل السريع والحاسم قبل تفاقم الخطر، وهو ما يفسر الحضور المتزامن لهذه الأجهزة في مختلف الأقاليم المتضررة، من الشمال إلى الغرب وصولاً إلى جهة فاس مكناس.
في جهة فاس مكناس، برز إقليم تاونات كأحد أكثر النقاط تأثراً بالفيضانات، حيث تحولت التساقطات الغزيرة إلى سيول جارفة قطعت المسالك القروية وحاصرت دواوير بأكملها، في منطقة معروفة بتضاريسها الجبلية وهشاشتها البنيوية. غير أن خطورة الوضع لم تكمن فقط في عزل الساكنة، بل في التهديد المباشر لشريان حيوي يتمثل في الطريق الوطنية رقم 8 الرابطة بين فاس وتاونات، وهي طريق لا تختزل في بعدها الجغرافي فقط، بل تمثل محوراً اقتصادياً واجتماعياً تعتمد عليه المنطقة في تموين الأسواق وتنقل السكان وربط المجال القروي بالحاضرة.
قطع هذه الطريق شكل لحظة اختبار حقيقية لنجاعة التدخل العمومي، حيث جرى الدفع بالجرافات والآليات الثقيلة التابعة لوزارة التجهيز والمصالح الإقليمية إلى عين المكان، بتنسيق مع السلطات المحلية والدرك الملكي، من أجل إزالة الأوحال والانهيارات وتثبيت المقاطع المهددة بالانجراف، في سباق مع الزمن لإعادة فتح الطريق ومنع تعميق العزلة. هذا التدخل لم يكن تقنياً فقط، بل حمل دلالة سياسية واضحة مفادها أن الدولة لا تسمح بسقوط محاورها الحيوية مهما كانت الظروف المناخية.
أما في إقليم تازة، فقد اتخذت الأزمة شكلاً مختلفاً، تمثل في الارتفاع غير المسبوق لمنسوب الأودية المحيطة بالتجمعات السكنية والطرق، وهو ما فرض تدخلاً وقائياً صارماً قبل تحول الخطر إلى كارثة. هنا، ركزت السلطات على تحصين ضفاف الأودية وتنقية المجاري المائية ومراقبة النقاط السوداء، في عمل ميداني هادئ لكنه بالغ الأهمية، كشف أن إدارة المخاطر لا تقوم فقط على الإنقاذ بعد وقوع الكارثة، بل على منعها حين يكون ذلك ممكناً.
في جهة الغرب، أفرزت الفيضانات بعداً آخر أكثر تعقيداً، مرتبطاً بمصدر عيش آلاف الأسر القروية، بعدما غمرت المياه مساحات واسعة من الأراضي الفلاحية وهددت الثروة الحيوانية. في هذا السياق، برز تدخل نوعي للدرك الملكي والسلطات المحلية، لم يقتصر على إغاثة السكان، بل شمل إنقاذ ماشيتهم، حيث جرى تجميع رؤوس الأبقار والأغنام من المناطق المغمورة ونقلها في شاحنات مخصصة إلى أماكن آمنة. هذا التدخل حمل رسالة قوية مفادها أن الدولة لا تتعامل مع المواطن كجسد يجب إنقاذه فقط، بل كمنظومة عيش متكاملة يجب حمايتها من الانهيار.
في الشمال، وتحديداً بمدينة القصر الكبير، فرضت وضعية السدود نفسها بقوة على مسار الأحداث، بعدما بلغ منسوب حقينة سد وادي المخازن مستويات حرجة استدعت تفريغاً جزئياً ومتحكماً فيه. هذا القرار، رغم كلفته الاجتماعية، جاء في إطار تدبير وقائي لتفادي سيناريوهات أكثر خطورة، غير أنه أدى إلى غمر أحياء منخفضة وإجلاء عدد من الأسر، وسط تدخل واسع للوقاية المدنية والقوات المساعدة لتأمين المناطق المتضررة ومنع وقوع خسائر بشرية.
وفي تطوان والعرائش، عاشت الساكنة ساعات ثقيلة تحت وقع أمطار قياسية حولت الشوارع إلى مجاري مائية، حيث لعبت فرق الوقاية المدنية والإنعاش الوطني دوراً محورياً في تصريف المياه وإنقاذ المحاصرين وتأمين المحاور الحيوية، في تدخلات ميدانية متواصلة حالت دون انهيار الخدمات الأساسية، وأعادت تدريجياً الحد الأدنى من الحركة داخل المدينتين.
وفي المناطق التي استحال الوصول إليها براً، فُعّل الجسر الجوي للدرك الملكي، الذي تكفل بإيصال المؤن الغذائية والمواد الأساسية إلى العائلات المحاصَرة، خصوصاً تلك التي رفضت مغادرة منازلها أو تعذر إجلاؤها في الوقت المناسب، في مشهد عكس بوضوح أن المجال الجغرافي، مهما كان معزولاً، لا يخرج عن نطاق تدخل الدولة.
وعلى مستوى الإيواء، شكل إقليم القنيطرة نموذجاً لانتقال السلطات من منطق الطوارئ إلى منطق التدبير الإنساني المنظم، عبر إنشاء أكبر مخيم إيواء مؤقت بالمملكة، مجهز بخدمات لوجستية وطبية وأمنية، لاستقبال العائلات التي جرى إجلاؤها من المناطق المهددة بالفيضانات، في خطوة عكست قدرة الإدارة الترابية على التنظيم السريع حين يكون القرار السياسي واضحاً.
في المحصلة، تكشف هذه الأزمة المناخية أن المغرب، رغم التحديات البنيوية المرتبطة بالبنية التحتية والتغيرات المناخية، بات يمتلك تجربة متراكمة في تدبير الكوارث، قوامها القيادة الملكية المركزية، والتنسيق بين المؤسسات، والحضور الميداني الصارم. غير أن هذه الفيضانات تعيد في الآن ذاته طرح أسئلة عميقة حول ضرورة الانتقال من منطق التدخل الظرفي إلى منطق الوقاية المستدامة، لأن ما جرى ليس حادثاً معزولاً، بل مؤشر على تحولات مناخية ستجعل مثل هذه الاختبارات أكثر تكراراً وحدّة في السنوات المقبلة.






