من فاس إلى باقي الجهات… جرافات السلامة تتحرك لمواجهة خطر البنايات المهددة بالانهيار

دخل ملف البنايات الآيلة للسقوط مرحلة حاسمة بعد شروع السلطات الترابية بعدد من جهات المملكة في تنزيل قرارات الإخلاء والهدم، في إطار مقاربة وقائية تهدف إلى حماية الأرواح والممتلكات، استناداً إلى تقارير تقنية ومعاينات ميدانية أكدت ارتفاع منسوب الخطر بعدد من المنشآت السكنية والمرافق العمومية.
وفي مدينة فاس، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى عنوان بارز لهشاشة النسيج العمراني، انطلقت أولى عمليات الهدم بشكل فعلي بمقاطعة جنان الورد، حيث شملت التدخلات أكثر من ثلاث عمارات سكنية، من بينها العمارة المعروفة باسم “التيتانيك”، إضافة إلى بنايات أخرى ثبتت خطورتها البنيوية، ما استدعى إخلاءها وهدمها تفادياً لأي انهيارات مفاجئة.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن هذه العمليات لن تتوقف عند جنان الورد، إذ يُرتقب أن تمتد إلى مقاطعة زواغة والمرنيين، فضلاً عن أجزاء من النسيج العتيق، الذي يطرح تحديات مركبة بسبب قدم البنايات، وتشابك الملكيات، وارتفاع الكثافة السكانية.
ولا تقتصر هذه الدينامية على فاس وحدها، بل شملت تعليمات مماثلة عدداً من الجهات الأخرى، حيث جرى تسريع وتيرة إصدار إشعارات بالإخلاء وقرارات الهدم لبنايات سكنية، وأسواق، وفضاءات عمومية، وملحقات إدارية وتجارية، بعد توصل السلطات بتقارير حديثة من مكاتب دراسات ومختبرات تقنية صنفت هذه المنشآت ضمن درجات خطورة متقدمة.
وقد أوكلت مهام تنفيذ قرارات الإخلاء والهدم إلى السلطات المحلية، تحت إشراف العمالات والأقاليم، مع التشديد على احترام المساطر القانونية واتخاذ التدابير اللازمة لضمان السلامة خلال عمليات التدخل.
ويرتبط هذا التحرك المكثف، حسب المعطيات المتداولة، بتوجيهات مركزية وولائية دعت إلى تدارك التأخر المسجل في معالجة ملف الدور الآيلة للسقوط، خاصة بعد حوادث انهيار سابقة، وكذا في ظل النشرات الإنذارية المرتبطة بالتقلبات الجوية، التي ترفع من احتمالات تفاقم المخاطر على البنايات الهشة.
وفي سياق تشديد المراقبة، تستعد السلطات لاعتماد وسائل تقنية حديثة، من بينها المسح الجوي بواسطة الطائرات المسيّرة (الدرون)، قصد إعداد خرائط دقيقة للبنايات المهددة، وتحليل وضعيتها وربطها بقاعدة معطيات التعمير والمحافظة العقارية، بما يسمح بتوجيه التدخلات الميدانية بشكل أكثر دقة وفعالية.
كما شملت التوجيهات تحيين سجلات الدور الآيلة للسقوط وفق معايير أكثر صرامة، تأخذ بعين الاعتبار ليس فقط وضعية البناية في حد ذاتها، بل أيضاً حالة البنية التحتية المحيطة بها، ومدى تأثيرها على السلامة العامة.
وبالتوازي مع ذلك، جرى التأكيد على تشديد المراقبة على رخص الإصلاح والبناء وشهادات مطابقة السكن، خصوصاً داخل المناطق الحساسة، لرصد أي خروقات تعميرية محتملة، ولا سيما تلك المرتبطة بعمليات التعلية غير القانونية التي تُنجز أحياناً تحت غطاء الإصلاح، وتضاعف من درجة الخطورة.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن تفعيل الإطار القانوني المنظم لمراقبة وزجر مخالفات التعمير والبناء، مع استنفار رجال السلطة لتكثيف الأبحاث الإدارية ومراقبة الأوراش، في محاولة لإعادة ضبط مشهد عمراني اختلطت فيه الحاجة إلى السكن بواقع هشاشة بنيوية مزمنة.
وبين فاس كرمز لمعاناة المدن التاريخية مع التهالك العمراني، وباقي الحواضر التي تواجه التحدي نفسه، يبرز هذا الورش كاختبار حقيقي لنجاعة السياسات الوقائية، وقدرة التدخل العمومي على الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق، حمايةً للإنسان أولاً.






