قضايا

مرج الزيتون يهدد البيئة بإقليم تاونات… جشع أرباب المعاصر يعيث في الأرض فساداً وسط مطالب بتدخل صارم للسلطات

يعود ملف التلوث البيئي الناتج عن مخلفات معاصر الزيتون بإقليم تاونات إلى الواجهة مع كل موسم لجني الزيتون، في مشهد يتكرر سنوياً دون حلول جذرية، رغم خطورته البالغة على البيئة والإنسان معاً. فمادة المرج، التي تُخلّفها عملية استخلاص زيت الزيتون، تحولت من نفاية صناعية إلى قنبلة بيئية تهدد الفرشة المائية، والتربة، والغطاء النباتي، بل وتمس بشكل مباشر بمقومات العيش الكريم للساكنة القروية.

ورغم القوانين الصارمة التي تمنع رمي هذه المادة السامة في الأودية ومجاري المياه، إلا أن عدداً من أرباب المعاصر لا يزالون يتعمدون استغلال فترات التساقطات المطرية للتخلص منها بطرق عشوائية، في تحدٍ سافر للقانون وضرب صريح لمبدأ حماية البيئة، وهو ما وثقته شكايات المواطنين ومعاينات ميدانية متكررة.

وقد سبق لجريدة فاس 24 أن نبهت، في أكثر من مناسبة، إلى جشع أرباب المعاصر بإقليم تاونات، وكشفت كيف يتحول بعضهم إلى فوق المساءلة، خاصة أن غالبيتهم منتخبون وبرلمانيون ورؤساء جماعات ترابية، يستغلون مواقعهم ونفوذهم السياسي للالتفاف على القوانين البيئية، وضمان الإفلات من العقاب، ولو كان الثمن تدمير الموارد الطبيعية وتهديد الصحة العامة.

إن خطورة مادة المرج لا تقف عند حدود الروائح الكريهة أو تشويه المنظر العام، بل تتعداها إلى تلويث المياه الجوفية التي تعتمد عليها الساكنة في الشرب والسقي، وإفساد التربة الزراعية، والإضرار بالثروة الحيوانية، في تناقض صارخ مع الشعارات المرفوعة حول التنمية المستدامة وحماية المجال القروي.

وفي مقابل هذا الوضع المقلق، باشرت اللجنة الإقليمية المختلطة، المكونة من السلطات المحلية والمصالح المختصة، عمليات مراقبة ميدانية شملت عشرات وحدات استخلاص زيت الزيتون بعدد من الجماعات الترابية، حيث تم تسجيل مخالفات بيئية جسيمة، وتحرير محاضر قانونية أحيلت على القضاء، إضافة إلى إصدار قرارات بمنع اشتغال عدد من الوحدات المخالفة.

كما جرى اتخاذ مجموعة من التدابير، من بينها تنظيم لقاءات تحسيسية، وتشجيع استعمال النظام ثنائي الطور الذي يقلل من إنتاج مادة المرج، وإنجاز محطات لمعالجة هذه المخلفات، غير أن هذه الإجراءات، ورغم أهميتها، تبقى غير كافية أمام حجم التلاعب والاستهتار الذي يمارسه بعض أرباب المعاصر.

ويرى متتبعون للشأن البيئي أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في غياب القوانين أو اللجان، بل في ضعف الزجر وازدواجية المعايير، حيث لا يُعقل أن يتحول منتخبون يفترض فيهم حماية المصلحة العامة إلى متورطين في الإضرار بها، دون ترتيب مسؤوليات سياسية وإدارية واضحة.

وفي هذا السياق، تتعالى الأصوات المطالِبة بضرورة مواكبة حقيقية وصارمة من طرف السلطات الإقليمية والجهوية، لا تكتفي بالمراقبة الموسمية، بل تعتمد مقاربة استباقية، وتشدد العقوبات، وتُفعل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، حمايةً للبيئة، وصوناً للحرث والنسل، ووقفاً لكل أشكال العبث التي تهدد حاضر الإقليم ومستقبله.

فبيئة تاونات ليست مجالاً للتجارب ولا ضحية لجشع لوبيات محلية، بل رصيد جماعي يستوجب الحماية، قبل أن يتحول المرج من مخلف صناعي إلى عنوان لفشل جماعي في تدبير أحد أخطر الملفات البيئية بالمنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى