
في لحظة سياسية دقيقة، اختار محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، أن يقول ما يتفاداه كثيرون: إن ما يُمارَس باسم “الإعلام” في بعض المنصات لم يعد نقداً ولا صحافة، بل تحوّل إلى آلية ضغط وابتزاز وتشهير، تهدد الفعل السياسي وتشوّه النقاش العمومي. وهي معركة وُصفت، عن حق، بأنها من أعنف المواجهات مع “منظومة” تعوّدت العمل في الظل دون مساءلة.
هذا الموقف وجد دعماً صريحاً من إسحاق شارية، الأمين العام للحزب المغربي الحر، الذي دعا إلى تفكيك ما أسماه “آلات التشهير والابتزاز الإعلامي”، معتبراً أن أوزين لا يدافع عن شخصه أو حزبه فقط، بل يخوض مواجهة لحماية استقلال القرار العمومي وصون هيبة المؤسسات. فحين يتحوّل التشهير إلى وسيلة ضغط، يصبح السياسي مهدَّداً، والقاضي مُحرَجاً، والمؤسسة مُستهدَفة.
الوقائع، كما يراها متتبعون، لا تتعلق بانتقاد أداء أو مساءلة سياسات، بل بنمط متكرر: نبش في الخصوصيات، عناوين مفخخة، صور موحية، وإيحاءات تُسوَّق على أنها “سبق إعلامي”، بينما هي في جوهرها أدوات تخويف. الأخطر أن بعض هذه المنصات تدّعي قرباً من “دوائر نافذة”، وتلوّح برموز الدولة لتكريس سلطة وهمية تُخضع بها الفاعلين السياسيين. هنا، لا نكون أمام صحافة، بل أمام احتيال مُقنّع.
دفاع أوزين عن هذا الملف ليس خروجاً عن الدور البرلماني، بل جوهره. فهل بات البرلماني ممنوعاً من الكلام؟ وهل أصبح التنبيه إلى انحرافات خطيرة “خطاً أحمر” بينما تُستباح الأعراض وتُختطف السمعة بلا رادع؟ إن السكوت عن هذا الوضع يعني القبول بتحويل المجال العام إلى ساحة تصفية حسابات، وتطبيع منطق “إما الصمت أو التشهير”.
من هذا المنطلق، يكتسب موقف أوزين بعداً مؤسسياً: حماية حرية التعبير الحقيقية، لا حرية القذف؛ حماية الإعلام المهني، لا منصات الابتزاز؛ حماية الدولة، لا المتاجرة برمزيتها. وهي معركة تتطلب اصطفافاً سياسياً واضحاً، لا حسابات ضيقة.
المسؤولية هنا لا تقع على الأحزاب وحدها. وزارة الاتصال مطالبة بالتحرك العاجل لتقوية آليات التنظيم الذاتي، وحماية المهنة من الدخلاء، وتفعيل القوانين ضد التشهير والابتزاز. والبرلمان مدعوّ إلى نقاش تشريعي صريح يوازن بين حرية الصحافة وحقوق الأفراد، ويُغلِق الثغرات التي تتسلل منها “أبواق” تسيء للإعلام قبل أن تسيء للسياسة.
إن ما يطرحه أوزين ليس معركة شخصية، بل اختبار للدولة: هل نختار إعلاماً حراً ومسؤولاً، أم نترك المجال لماكينات تُخيف وتبتز وتُكمّم؟ و تخدم أجندات تمييع الشعب؟ الجواب لا يحتمل الرمادية. فالدفاع عن السياسة النظيفة يبدأ بتجفيف منابع التشهير، ومنح الكلمة لمن يستحقها، لا لمن يلوّح بها كسلاح و يحاول إستهداف كل من لا يدور في فلكه و يخدم مصالحه الشخصية و ليس المهنية .






