“نموذج فاس”: كيف رسم الطلبة “جيل Z” خارطة طريق للاحتجاج السلمي والتدبير الرشيد للسلطات في المغرب؟

عاشت مدينة فاس، أمس الثلاثاء (30 شتنبر 2025)، واحدة من أكبر المسيرات التي شهدتها المملكة، قادها طلبة جامعة ظهر المهراز إلى جانب عدد من شباب المدينة، في صورة عكست وعياً متزايداً لدى جيل Z بضرورة التعبير عن المطالب بشكل حضاري وسلمي.
المسيرة التي انطلقت من ساحة الجامعة وجابت الحي الشعبي ظهر المهراز، تميزت بكثافة المشاركة حيث فاق عدد المحتجين كل ما عرفته مدن أخرى خلال الأيام الأخيرة، لكنها في المقابل حافظت على طابعها السلمي دون تسجيل أي انزلاق أو مواجهات مع القوات العمومية.ما يميز مشهد فاس هو التزامن النادر بين الكثافة الهائلة للمشاركة والانضباط التام في السلوك. فالمسيرة التي تجاوز عدد المشاركين فيها ما شهدته مدن أخرى، انطلقت وعادت بسلام، دون تسجيل أي حادث تخريب أو مواجهة. هذا المشهد يبعث بعدة رسائل لكل من يحاول إدخال البلاد في نفق مظلم بعد أن تم شحنهم من المخربين و المتربصين و أعداء الوطن.
السلطات تعاملت بحكمة، إذ اكتفت بوضع حواجز لمنع تقدم المحتجين نحو وسط المدينة و مراقبة الأوضاع عن بعد، مع ترك حرية التعبير للشباب داخل محيط الجامعة وأحيائها، وهو ما عكس مقاربة مهنية ومتوازنة في التدبير الأمني.
لم تلجأ السلطات إلى المنع أو المواجهة العنيفة أو الإعتقال، بل ظلت تراقب الوضع عن بعد دون أن يسجل أي إحتكاك و بإحترافية بعيدا عن الإستفزازات بين الطرفين ، مع ترك حرية الحركة والتعبير داخل الحي الجامعي ومحيطه الشعبي.
وبالمقابل، فإن بعض المدن الأخرى شهدت مسيرات عشوائية خرجت عن إطارها السلمي، وتخللتها أعمال تخريب ونهب ورشق بالحجارة، وهو ما يبرز أن فاس شكّلت الاستثناء الإيجابي من خلال التزام المحتجين بالسلوك الحضاري، ورفضهم القاطع لأي محاولة لاختراق صفوفهم أو استغلال مطالبهم.
وعقب العودة إلى الحرم الجامعي، احتضنت الساحات حلقية نقاش مفتوحة، عبّر فيها الطلبة والشباب عن رؤيتهم ومطالبهم في جو يسوده الحوار والهدوء، مؤكدين أن الاحتجاج يمكن أن يكون أداة للتغيير الإيجابي متى ما ظل في إطاره السلمي والمسؤول.
إن هذا الأسلوب يعكس فهماً عميقاً بأن الاحتجاج ليس مؤامرة، بل هو تعبير عن إحتقان اجتماعي مشروع. المقاربة الأمنية الحكيمة ساهمت في تفريغ شحنة الغضب بأمان، ومنعت تحول الاحتجاج إلى صدام كان الجميع في غنى عنه.
بهذا المشهد، تكون فاس قد قدّمت درساً عملياً لباقي المدن، حيث اجتمعت السلمية في التعبير مع المهنية في التدبير، فخرجت المدينة بصورة مشرقة، حافظت على الحق في الاحتجاج من جهة، وعلى الأمن والاستقرار من جهة أخرى.
ساكنة فاس بدورها أشادت بالطابع السلمي للمسيرة وبالمهنية العالية التي أبانت عنها السلطات في التعامل مع هذا الشكل الاحتجاجي، معتبرة أن مثل هذه النماذج تعزز الثقة وتفتح الباب أمام الحوار. وفي المقابل، نددت الساكنة بما وقع في بعض المدن من مظاهر تخريب وسرقة وتدمير، مؤكدة أن من يلجأ إلى العنف والفوضى لا يريد الإصلاح للبلاد، بل يسعى فقط لجرها إلى المجهول






