تحقيق خاص لـ”فاس 24″: مولاي يعقوب.. إقليم مُعلق بين “سماء فاس” و”طريق جهنم” نحو التنمية المفقودة

على بعد خطوات معدودة من صخب العاصمة العلمية فاس، يكابد إقليم مولاي يعقوب وجعًا صامتًا، ورث تركة ثقيلة من التهميش والإهمال المستمر. سماء العمالة وإدارات المصالح الخارجية هنا، وإن كانت اسميًا تحت مظلة نفوذ تراب عمالة فاس، تبدو وكأنها بعيدة كل البعد عن نبض الحياة اليومية وتطلعات الساكنة نحو مستقبل أفضل. نفوذ ترابي ممزق الأوصال، بنى تحتية متآكلة حد الاختفاء في بعض القرى، وجماعات ترابية تجر أذيال التخلف، هي الملامح القاتمة التي ترسم صورة هذا الإقليم المنسي الذي يزخر بالثروات و الأراضي حتى أطلق عليها ذات يوم بإمارات المغرب.
في قلب هذه المعاناة اليومية، يقف سكان مولاي يعقوب أمام واقع مرير تتجسده طرقات مهترئة تحيل حياتهم إلى رحلة عذاب. “طريق جهنم”، هكذا أطلق عليها الأهالي، وهو الاسم الذي استلهمته “فاس 24” خلال معاينتها الميدانية لهذه الشريان الحيوي المتردي، الذي يربط بين تجزئة عرصة الزيتون والقطب الحضري رأس الماء، مرورًا بالمستشفى الإقليمي المتعثر. سنوات طويلة من الانتظار والأشغال تسير ببطىء تركت ندوبًا غائرة في أرواح السكان، ليصبح هذا الطريق ليس مجرد ممر ضيق ومحفوف بالمخاطر، بل رمزًا صارخًا لعزلة إقليم بأكمله عن عجلة التنمية.
لكن التخلف هنا لا يقتصر على الطرقات المتهالكة، بل يضرب بجذوره عميقًا في غياب أو تردي البنيات التحتية الأساسية. شبكات الماء والكهرباء والصرف الصحي في العديد من الجماعات الترابية تبدو وكأنها تنتمي إلى زمن آخر. هذه الجماعات، التي كان من المفترض أن تكون قاطرة للتنمية المحلية بوضعها المتقدم و المحاذي لفاس، تجد نفسها أسيرة واقع بائس يعيق أي محاولة للنهوض والازدهار.
وفي ظل غياب التخطيط والرقابة الفعالة، تستفحل الفوضى في أرجاء الإقليم. مستودعات هنا و هناك ، تشوه المشهد الحضري وتطرح تساؤلات مشروعة حول مدى تطبيق القانون وسلطة المؤسسات. هذه الفوضى ليست مجرد خلل جمالي، بل تعكس حالة من التسيب قد تكون لها تداعيات أعمق على حياة السكان وأمنهم.
المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذا الإقليم، الذي يئن تحت وطأة التهميش، يزخر بمؤهلات طبيعية وسياحية جاذبة. حامات طبية ذات صيت وطني ودولي، كمحطة مولاي يعقوب وعين الله، كان من المفترض أن تكون قاطرة للتنمية وجلب الاستثمارات، لكن واقع الحال يشير إلى أن هذه الثروات لم تنعكس إيجابًا على حياة السكان. فمع أولى قطرات المطر، يتحول تنقلهم إلى كابوس حقيقي، حيث تتحول الطرقات الترابية إلى برك من الأوحال تعزل الدواوير وتعيق وصول التلاميذ إلى مدارسهم والمرضى إلى المستشفيات. وقد كشفت الأمطار الأخيرة عن الوجه الحقيقي للبنيات التحتية الهشة، حيث اجتاحت السيول والوديان منازل الأهالي، مخلفة خسائر مادية ومعاناة إضافية، لتؤكد حجم الهوة التنموية التي يعيشها الإقليم رغم إمكانياته الكامنة.
وفي مشهد يثير الدهشة والقلق، تعاني منطقة رأس الماء من إهمال بنيوي مزرٍ، تحيط بها مساكن غير لائقة، وتربطها بفاس طريق أشبه بمسلك وعر. ورغم هذا الواقع، يُنظر إلى المنطقة على أنها محطة مرتقبة لما يُعرف بـ “البحر الجاف”، بل ويُنتظر أن تستقطب استثمارات صناعية ضخمة، وعلى رأسها مصانع صينية في قطاع النسيج و التي إختارت إقليم مولاي يعقوب للإستثمار به و توفير فرص الشغل تصل الى 5 ألاف منصب، هذا التناقض الصارخ بين واقع التخلف وآمال التنمية المعلقة يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى استعداد المنطقة لاستيعاب مثل هذه المشاريع الضخمة في ظل غياب أبسط مقومات الاستقبال اللائق. فكيف يمكن لمنطقة تعاني من طرقات مهدمة وبنية تحتية متهالكة أن تكون وجهة جاذبة للاستثمار وأن توفر الظروف المعيشية المناسبة لآلاف العمال؟ هذا الوضع ينذر بتحويل المنطقة إلى بؤرة جديدة من الهشاشة والتفاوت، ما لم يتم تدارك الأمر بوضع رؤية تنموية شاملة ومتكاملة توازي بين الطموحات الاقتصادية وتحسين ظروف عيش السكان.
بل إن حتى تصميم التقطيع الترابي الذي تم التصديق عليه في صيف العام الماضي لم يسلم من الانتقادات، حيث يرى فيه العديد من المتتبعين خطوة غير موفقة، لا ترقى إلى مستوى تطلعات الإقليم، بل تبدو أقرب إلى محاولة لترطيب الخواطر وتسكين الاختلالات دون تقديم حلول جذرية للتحديات التنموية العميقة. ويؤكد هؤلاء المراقبون أن هذا التصميم، بصيغته الحالية، لن يكون له الأثر الملموس في النهوض بالإقليم، وأن الحل الأمثل يكمن في إعادة هيكلة إدارية شاملة، ربما من خلال تقسيم جديد للعمالات والأقاليم وخاصة بين فاس و تاونات ومولاي يعقوب، يراعي الخصوصيات الجغرافية والديموغرافية لكل منطقة، ويمنح إقليم مولاي يعقوب الاستقلالية والمرونة اللازمة لوضع وتنفيذ برامج تنموية تتناسب مع احتياجاته الحقيقية وتطلعات سكانه.
وإزاء هذا المشهد القاتم، يبقى السؤال معلقًا حول مسؤولية المنتخبين المحليين، الذين تعاقبوا على تدبير شؤون الإقليم دون تحقيق اختراق تنموي حقيقي.غير ظهور عليهم علامات الثراء و التغيير الشخصي،فيما أخرون يتابعون قضائيا في ملفات الفساد مما يستنج ان أمور هناك غير طبيعية، فهل استنفدت وعودهم الرنانة في دهاليز المجالس، أم أن الوقت قد حان ليقدموا كشف حساب لما أنجزوه فعليًا على أرض الواقع؟ وفي المقابل، يطالب سكان مولاي يعقوب بتحرك جاد وملموس من سلطات عمالة الإقليم، لاستنهاض الموارد وتوجيهها بكفاءة نحو مشاريع تعيد الأمل للإقليم، على غرار الدينامية التي تشهدها مدينة فاس. فالاستعداد لاستقبال تظاهرات قارية كبرى في الجهة يستلزم صورة مشرفة لكافة مكوناتها الترابية، ولا يمكن تحقيق ذلك مع استمرار مظاهر التخلف والإهمال التي تطبع وجه إقليم مولاي يعقوب،الذي سيقصده الزوار الأجانب بما لا شك فيه من أجل الإستحمام بالحامات المعدنية.
إن استمرار هذا الوضع المزري في إقليم مولاي يعقوب، الذي لا يفصله عن فاس سوى بضعة أمتار، يطرح علامات استفهام كبرى حول فعالية السياسات التنموية وآليات تنزيلها على أرض الواقع. يبقى السؤال الذي يتردد على ألسنة السكان: متى سينتهي هذا التهميش؟ ومتى سيحظون من إدارة القرب و من ببنيات تحتية عصرية وطرقات معبدة تكسر حاجز العزلة والتخلف؟ إن مستقبل هذا الإقليم لا يزال معلقًا بين سماء فاس وواقع مرير يستدعي تحركًا عاجلًا وجادًا لإنقاذه من براثن الإهمال قبل فوات الأوان.






