تقرير :من يتحكم في بيع الدواء بالمغرب ؟و من يراقب الأرباح الخيالية؟

سبق لوزير الصحة السابق الحسين الوردي، أن أكد أن لوبيات الدواء أخطر من مافيا المخدرات(..)، وتبعه الوزير المكلف بالميزانية مؤخرا، فوزي لقجع، الذي أكد أن هناك أدوية تباع في المغرب بـ 80 درهما يتم شراؤها في الأصل بـ 10 دراهم فقط، ما يكشف حجم التلاعبات في هذا القطاع.. وعلى نفس المنوال كشف تقرير صدر مؤخرا، أن أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية بالمغرب أغلى من نظيرتها في بلجيكا وفرنسا بنسب مرتفعة جدا 3 أو 4 مرات، وتفوق أحيانا ما بين 250 و1000 في المائة، خصوصا تلك المستخدمة في علاج الأمراض المزمنة والخطيرة، مثل أدوية السكري والربو وضغط الدم وأمراض القلب والشرايين والسرطانات، على سبيل المثال يبلغ سعر دواء التهاب الكبد الفيروسي ما بين 3000 درهم و6000 درهم في حين لا يتجاوز سعره 800 درهم في مصر، وهناك اختلاف كبير بين أثمنة نفس الدواء المستورد تحت علامات تجارية مختلفة، بل إن بعض الأدوية الجنيسة سعرها يفوق سعر دواء أصيل في بعض الدول .
وحمل تقرير الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة، التي يرأسها علي لطفي، المسؤولية للحكومة، خصوصا بعد اعترافها بارتفاع أسعار الأدوية بثلاث مرات وأكثر، لكونها تقف عاجزة أمام لوبي شركات الأدوية التي تحقق أرباحا خيالية على حساب صحة المواطنين وحياة المرضى، لتفادي فشل منظومة الحماية الاجتماعية، والتأمين الصحي، وإغراق الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في العجز المزمن، متسائلا عن الجهة التي تحمي لوبي صناعة واستيراد الأدوية بالمغرب؟ ولماذا يغيب مجلس المنافسة عن التدخل لتفعيل، في محاربة الاحتكار والإثراء غير المشروع ؟
وحسب التقرير، الموجه بالأساس إلى وزارة الصحة، التي يترأسها أمين الطهراوي، فإن هامش الربح في المغرب مرتفع جدا ويعتبر ثاني أكبر هامش ربح في دول شمال إفريقيا ودول البحر الأبيض المتوسط، وهو ما عبر عنه تقرير “الكنوبس” وإدارة الجمارك بـ”جنة الأسعار الباهظة للدواء تستفيد منها الشركات متعددة الجنسيات، مما يعمق نزيف احتياطاتنا من العملة الصعبة ويعرقل مسيرتنا نحو التغطية الصحية الشاملة”، ذلك أن بعض الشركات تفرض أسعارا خيالية لا علاقة لها بتكلفة ولا بأسعار الأدوية، أو المواد الأولية التي تُجلب من الهند أو الصين أو مصر بأسعار أقل ثلاث مرات أو أكثر.
ودعت شبكة الدفاع عن الحق في الصحة – في تقريرها – إلى المراجعة الجذرية للمرسوم /الصفقة، الذي نسج خيوطه لوبي شركات الأدوية المستوردة مع وزير سابق، بغرض الحفاظ على هوامش ربح عالية إن لم نقل خيالية، والذي تم تمريرها في عهد حكومة بن كيران، ويتعلق الأمر بالمرسوم رقم 2.13.852 الصادر سنة 2013، والمتعلق بشروط وكيفيات تحديد سعر بيع الأدوية المصنعة محليا أو المستوردة للعموم، ويحدد المرسوم المذكور في مادته الثالثة أسعار الأدوية بالمغرب وفق مقارنة معيارية مع ست دول مرجعية، وهي فرنسا وبلجيكا وتركيا والسعودية وإسبانيا والبرتغال، مع أهمية تعديل النصوص لجعلها أكثر حماية لمصلحة المرضى ولصندوق التأمين الصحي والتأمينات الاجتماعية والتعاضديات.
وأفاد التقرير، أن قطاع صناعة الأدوية بالمغرب يعرف نشاط 54 مختبرا، وتتحكم في سوق الأدوية 15 مختبرا بنسبة 70 في المائة من حصص السوق، مع وجود احتكارات جد ممركزة واحتكارات ثنائية واحتكارات تحتل وضعية شبه هيمنة، حسب تقرير سابق لمجلس المنافسة، الذي أكد أن سوق الأدوية بالمغرب ضعيف الشفافية، مع غياب سياسة عمومية حقيقية للدواء الجنيس وشبكة توزيع ملائمة، حيث يبقى مجال الأدوية في المغرب عالما يسود فيه الاحتكار والريع والجشع، وغياب الشفافية في مراقبة أرباح الشركات، ومراقبة جودة المواد الأولية المستوردة التي تستخدم في صناعة الدواء الأصلي والجنيس، ومراقبة علمية لجودة المنتوج الدوائي وللمستلزمات الطبية.
فبالرغم من إعفاء الأدوية والمواد الأولية التي تدخل في تركيبها، وكذا اللفائف غير المرجعة من الضريبة على القيمة المضافة 7 % منذ فاتح يناير 2024، ظلت شركات صناعة الأدوية في المغرب تواصل مراكمة الأرباح على حساب جيوب المواطنين وصحة وحياة المرضى، وظلت تفرض عبئا ثقيلا، سواء عند شرائها مباشرة من الصيدليات أو من خلال تغطيتها بتعويضات صناديق الحماية الاجتماعية، يقول التقرير مؤكدا أن الاستهلاك الوطني للأدوية في السنوات الأخيرة وصل إلى 580 درهما للفرد سنويا، من حيث الحجم، يبلغ 12.26 صندوقا لكل ساكن سنويا. وإجمالا، يبلغ إنفاق المغاربة على الأدوية حوالي 21.468.4 مليون درهم، بينما واصلت صناعة الأدوية بالمغرب نموها وبلغ حجم مبيعاتها السنوية 17 مليار درهم سنة 2024، وعلى الرغم من عدم توفر أرقام حقيقية عن أرباح شركات الأدوية، فإنها تحقق أرباحا كبيرة جدا، خاصة وأن حصة الدواء الجنيس تمثل أقل من 40 % من مجموع الأدوية المستهلكة، فإن الهيمنة ما زالت للدواء الأصلي الذي يظل باهظ الثمن مقارنة بالمعدل الدولي (58 %)، و70 % في فرنسا و80 % في ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
إن ارتفاع أسعار الأدوية يثقل كاهل الأسر، وبالتالي، يهدد توازن نظام التغطية الصحية والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بالعجز المالي، كهيئة التدبير الموحدة للنظام الأساسي، بعد أن كانت السبب الرئيسي في عجز وتراجع احتياطات الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (الكنوبس)، ومستقبلا يمكن أن تهدد المنظومة الصحية بأكملها إن لم يتدخل صناع القرار السياسي لوضع حد للاحتكار وفرض أسعار باهظة على المواطن المغربي والنفخ غير المشروع في حسابات الشركات متعددة الجنسيات، لأن الأدوية تشكل مكونا جوهريا من مكونات تكلفة النظام الصحي في المغرب، إذ مثلت سنتي 2022 و2023 حوالي 40 % من تكلفة النظام الصحي المغربي، وبالمقارنة مع بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE)، فهي تبلغ فقط نسبة 18 %.
فهذه العوامل – يقول تقرير الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة – تؤدي إلى ارتفاع مساهمة الأسر المغربية وتحملها لما يقارب 56 % من النفقات الإجمالية للصحة بصفة مباشرة ومن جيوبها، رغم الاستفادة الجماعية من التغطية الصحية الشاملة والتأمين الصحي الإجباري، بينما تخصص ميزانية الدولة 26 % من هذه النفقات وتتحمل التعاضديات والتأمينات الخاصة بقية الأتعاب، خاصة وأن تعويض مصاريف الأدوية يتم على أساس 70 % من سعر الدواء الجنيس ويتحمل المنخرط نسبة هامة حينما يوصف له دواء أصيل.
وتحدث ذات التقرير عن احتكار الشركات وغياب الصرامة في تطبيق القانون على الشركات المستوردة للأدوية، المسؤولة عن نفاذ المخزون الدوائي، مشيرا إلى أن ضعف القوانين ونفاذ المخزون الأمني والاستراتيجي للدواء والمستلزمات الطبية له أثار خطيرة على حياة المرضى، ما يعمق معاناة فئة واسعة من المرضى وأسرهم من فقدان أدوية في السوق الوطنية والمستشفيات، بسبب سوء تدبير مخزون الأدوية من طرف الشركات المستوردة للأدوية التي لا تحترم القانون المتعلق بتدبير المخزون الأمني، وهو ما يؤدي إلى نفاذ مخزون بعض الأدوية الضرورية، حيث شهدت سنة 2023 نقصا يقارب 400 دواء في الصيدليات، نصفها من إنتاج الشركات الاحتكارية، وفقدان عدد كبير من الأدوية ونقص في أدوية أمراض القلب والشرايين وأمراض نفسية وأمراض نادرة في سنة 2024.
كما تطرق التقرير إلى ظاهرة انتشار بيع الأدوية ومستحضرات التجميل والمكملات الغذائية خارج الصيدليات بالمغرب، والترويج لها وبيعها عبر وسائل متعددة غير مرخصة بما فيها الترويج عبر وسائط التواصل الاجتماعي والأنترنيت، مما يعرض صحة المستهلك إلى الخطر، وتحقق الجهات المروجة لها أرباحا طائلة رغم أنها ضارة بالصحة، وهو ما يعتبر إجراما دوائيا مخالفا للقانون ولمدونة الأدوية والمستلزمات الطبية، سواء تعلق الأمر بالأدوية، أو بالأجهزة والمعدات ذات الاستعمال الطبي، وبمستحضرات التجميل والمكملات الغذائية تحت أسماء تجارية متنوعة، وشدد على ضرورة إصلاح المنظومة القانونية للأدوية والصيدلة، وتعديل عيوبها وثغراتها، وتقديم مشروع قانون ومدونة الأدوية ونظام جديد لتحديد أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية إلى البرلمان، حتى لا تبقى مستغلة من طرف لوبي مصنعي الأدوية ومحاربة الإثراء غير المشروع، وجعل أسعار الأدوية في متناول القدرة الشرائية للمواطنين، بالإضافة إلى مراقبة أسعارها عن طريق وضع معايير محددة سلفا يتم مراقبة تأثيرها كل سنتين على الأقل، ورصد التغيرات الطارئة على الأسعار مقارنة مع المواد الأولية وتكلفة التصنيع .
وطالبت شبكة الدفاع عن الحق في الصحة، بالإسراع في تنزيل القانون رقم 22-10 والمراسيم التطبيقية للوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، الموكول لها مسؤوليات وصلاحيات الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، الموكول لها قانون إعداد السياسة الدوائية الوطنية والإسهام في تنفيذها وتتبعها وتقييمها.






