ملف الأحد :المغرب 2026: دبلوماسية جلالة الملك تحسم معركة الصحراء وتفتح أفق الانتخابات والحوار المغاربي

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
يقف المغرب مع اقتراب سنة 2026 عند منعطف تاريخي حاسم، حيث تتقاطع ثلاثة مسارات كبرى ترسم ملامح مستقبله السياسي والإقليمي: قضية الصحراء المغربية التي تشهد زخماً دولياً غير مسبوق لصالح الحل المغربي، والتحضير المبكر للانتخابات التشريعية بما يعزز مصداقية التجربة الديمقراطية، والعلاقة مع الجزائر التي تبقى مفتاح بناء مغرب عربي موحد وقوي. هذه القضايا الثلاثة شكّلت جوهر خطاب جلالة الملك محمد السادس الأخير بمناسبة عيد العرش، ليس باعتبارها مواضيع متفرقة، بل كملفات متداخلة تُحدد جميعها موقع المملكة في خريطة التوازنات الإقليمية والدولية.
أولاً: الصحراء المغربية… انتصار الدبلوماسية الملكية
منذ أكثر من خمسة عقود، ظل النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية عنواناً لمحاولات عرقلة مسيرة المغرب نحو الاستقرار والتنمية. لكن بفضل الرؤية الاستراتيجية لجلالة الملك محمد السادس، انتقل الملف في السنوات الأخيرة من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، حيث تمكنت الدبلوماسية الملكية من تحقيق اختراقات كبرى.
اليوم، بات واضحاً أن مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الوحيد الذي يلقى القبول والدعم من غالبية دول العالم العظمى. الولايات المتحدة، إسبانيا، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، وعدد كبير من الدول العربية والإفريقية و الأمريكية و الأسيوية، كلها أعلنت بشكل صريح أو ضمني دعمها للمبادرة المغربية باعتبارها خياراً جدياً وواقعياً وذي مصداقية. حتى الأمم المتحدة، عبر مبعوثها الشخصي ستيفان دي ميستورا، أضحت تتعامل مع المقترح المغربي باعتباره حجر الزاوية في أي مسار تفاوضي جاد.
خطاب جلالة الملك في يوليوز الماضي جاء حاسماً في هذا الاتجاه، حين أكد أن المغرب يظل منفتحاً على حل “لا غالب فيه ولا مغلوب”، بما يحفظ ماء وجه الأطراف، لكنه في نفس الوقت شدد على أن سيادة المغرب على صحرائه غير قابلة للتفاوض. هذه المعادلة بين الانفتاح على الحوار والتمسك بالثوابت، هي سر النجاح المغربي في إقناع المجتمع الدولي بمصداقية الحل المطروح.
ثانياً: رسالة صامتة لأمريكا… عدم استقبال مستشار ترامب بولس مسعد
من أبرز التطورات التي أثارت الانتباه مؤخراً، قرار المغرب عدم استقبال مسعد بولس، المستشار المقرب من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، رغم أنه أعلن قبل جولته المغاربية عزمه زيارة المغرب بعد الجزائر. هذا الموقف لم يكن مجرد صدفة أو تفصيل بروتوكولي، بل رسالة دبلوماسية بليغة: المغرب يرفض أن يتحول ملف الصحراء إلى ورقة مساومة أو تصريحات متناقضة.
فقد سبق لبولس أن أدلى بتصريحات مثيرة للجدل تحدث فيها عن أن الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء “ليس مطلقاً بل مشروطاً برضا الصحراويين”. هذا التوصيف أغضب الرباط لأنه ينطوي على محاولة إفراغ الاعتراف الأمريكي التاريخي من مضمونه. وبالتالي، فإن عدم استقباله في المغرب كان بمثابة تأديب سياسي ناعم، ورسالة واضحة بأن المغرب يتعامل مع المؤسسات الرسمية في واشنطن، وليس مع اجتهادات شخصية قد تسيء إلى الموقف الأمريكي المعلن.
وقد جاءت البرقية الرسمية التي وجهها الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى جلالة الملك بمناسبة عيد العرش لتؤكد على ثبات الموقف الأمريكي الرسمي، وتجدد اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على صحرائه. وهكذا يظهر أن الدبلوماسية الملكية لا تتهاون مع التصريحات العشوائية، لكنها في الوقت نفسه حريصة على تثبيت العلاقات الاستراتيجية مع القوى الكبرى على أساس الوضوح والاحترام المتبادل.
ثالثاً: إحاطة دي ميستورا… ترسيخ لمبادرة الحكم الذاتي
المرحلة المقبلة وخلال شهر أكتوبر القادم،ستشهد محطة حاسمة مع الإحاطة التي سيقدمها المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا أمام مجلس الأمن. هذه الإحاطة، بحسب ما رشح من كواليس الدبلوماسية الدولية، ستتضمن ثلاث رسائل أساسية وردت من واشنطن نفسها:
- الحكم الذاتي يجب أن يكون جاداً وحقيقياً، أي أن المجتمع الدولي ينتظر من المغرب تقديم تفاصيل أوفى حول الصلاحيات الواسعة التي ستُمنح للأقاليم الصحراوية، بما يؤكد واقعية وصدقية المقترح.
- الحل يجب أن يكون مقبولاً من الطرفين، لكن على أساس المفاوضات المباشرة، وليس من خلال شعارات الانفصال أو استفتاءات وهمية تجاوزه الزمن.
- انخراط مباشر للإدارة الأمريكية لتسريع الوصول إلى حل نهائي.
هذه الرسائل، في جوهرها، تعكس تقاطعاً بين الرؤية المغربية والخيارات الدولية. فالمجتمع الدولي بات يعتبر أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الإطار الوحيد القابل للتنفيذ. أما أوهام الانفصال فلم تعد تجد صدى إلا عند قلة معزولة.
رابعاً: الجزائر… جمود رسمي ومؤشرات خافتة للتحول
العلاقة المغربية الجزائرية تظل هي الحلقة الأصعب في هذا المسار. فجلالة الملك، ومنذ سنوات، مد اليد مراراً للجزائر، مؤكداً أن المغرب مستعد لحوار أخوي وصريح ومسؤول. غير أن الرد الجزائري ظل في الأغلب صامتاً أو سلبياً.
ومع ذلك، فإن المتتبع يلحظ بعض التغيرات الدقيقة في خطاب الجزائر. فعندما أعلنت بريطانيا دعمها القوي لمقترح الحكم الذاتي، لم تبادر الجزائر إلى استدعاء سفيرها في لندن أو اتخاذ مواقف عدائية كما فعلت مع إسبانيا وفرنسا. بل اكتفت ببيان “أسف” تضمن لأول مرة إشارة إلى أن “المقترح المغربي لم يُعرض على الصحراويين كأساس للتفاوض”. وهذه الإشارة، وإن بدت سطحية، إلا أنها قد تحمل في طياتها بداية اعتراف ضمني بجدية المبادرة المغربية كأساس للنقاش، وهو تحول مهم إذا ما تم البناء عليه دبلوماسياً.
إن المغرب، وهو يراكم الاعترافات الدولية، لا يهدف إلى عزل الجزائر، بل إلى دفعها نحو شراكة إقليمية رابحة. فكما قال جلالة الملك: “الاتحاد المغاربي لن يكون بدون انخراط المغرب والجزائر مع باقي الدول الشقيقة”.
خامساً: انتخابات 2026… الامتحان الداخلي للمغرب
إلى جانب المعركة الدبلوماسية في الخارج، يستعد المغرب لمعركة سياسية داخلية لا تقل أهمية: انتخابات 2026. جلالة الملك في خطابه الأخير شدد على ضرورة الإعداد المبكر لهذه الاستحقاقات، وأعطى توجيهاته لوزير الداخلية عبد الوافي لفتيت بفتح المشاورات السياسية مع الأحزاب وضمان أن تكون القوانين المؤطرة للانتخابات جاهزة ومعروفة قبل نهاية السنة الحالية.
الرسالة واضحة: المغرب يريد أن يقدم للعالم نموذجاً لدولة تجمع بين الحزم في الدفاع عن سيادتها والديمقراطية في تدبير شؤونها الداخلية. فالمعركة ليست فقط لكسب الدعم الخارجي، بل أيضاً لكسب ثقة الداخل.
الوزير لفتيت أوضح في لقاء مع الأحزاب أن الدولة ملتزمة بالتصدي الحازم لكل الممارسات التي قد تمس بمصداقية الانتخابات، بدءاً من المال الانتخابي إلى محاولات التلاعب في إرادة الناخبين. وهو ما يعني أن رهان 2026 يتجاوز توزيع المقاعد بين الأحزاب، إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن وصندوق الاقتراع.
2026… عام مفصلي في مسار المغرب
المشهد إذن معقد، لكنه واعد:
- في الخارج، المغرب يواصل تراكم الانتصارات الدبلوماسية بفضل رؤية جلالة الملك محمد السادس، حيث بات مقترح الحكم الذاتي يحظى بتأييد دولي واسع.
- مع الجزائر، اليد الممدودة لا تزال تنتظر رداً، لكن المؤشرات توحي بأن الجمود قد لا يستمر إلى الأبد.
- في الداخل، انتخابات 2026 ستكون لحظة فارقة لإثبات أن المغرب قادر على المواءمة بين الدفاع عن وحدته الترابية وتكريس ديمقراطية نزيهة وشفافة.
وهكذا، يمكن القول إن سنة 2026 قد تكون بحق عام الحسم: حسم في قضية الصحراء عبر تثبيت الحل المغربي كخيار وحيد واقعي، حسم في العلاقة مع الجزائر إذا ما استجابت لنداءات الحوار، وحسم في الداخل عبر انتخابات تمنح شرعية أكبر للمؤسسات.
إنها لحظة اختبار مزدوج، لكن المغرب، بقيادة جلالة الملك، يدخلها من موقع قوة وثقة، مسنوداً بدعم دولي واسع، ومؤمناً بأن المستقبل لا يُبنى إلا على الثبات في الدفاع عن الثوابت والانفتاح على الإصلاح والديمقراطية.






