مشاورات التنمية تُعيد إحياء ملف التقسيم الترابي.. مطالب واسعة بمراجعة الخريطة الانتخابية قبل الاستحقاقات المقبلة

أنهت المصالح الإقليمية للإدارة الترابية، أخيراً، مرحلة تجميع المقترحات المرتبطة بإعادة النظر في الخريطة الإدارية والانتخابية، والتي تقدّم بها منتخبون وفعاليات المجتمع المدني خلال جلسات المشاورات الخاصة بالجيل الجديد من برامج التنمية. وقد شكّلت هذه العملية محطة أساسية لرصد اختلالات التقسيم الحالي، الذي يرى العديد من الفاعلين أنه لم يعد يستجيب للتحولات الديمغرافية والعمرانية التي عرفتها عدة جهات خلال العقود الأخيرة.
وبحسب المعطيات المتداولة، فقد تضمّنت الملفات المُجمَّعة على مكاتب الولاة مقترحات لإلحاق دواوير وأحياء بجماعات ترابية جديدة بدل الانتماء الإداري القائم حالياً، وذلك بهدف تسهيل الولوج إلى الخدمات الإدارية وتخفيف أعباء تنقل السكان، إلى جانب تعزيز مبادئ الحكامة الترابية التي تُعد ركناً أساسياً في أي سياسة تنموية حديثة.
وأرجع أصحاب هذه المطالب الحاجة الملحة إلى مراجعة التقسيم الإداري إلى تقادم الخريطة الحالية، إذ لم يشهد بعضها أي تحيين منذ ثلاثة عقود رغم التحولات المتسارعة. وأشار المتدخلون إلى أن بروز تجمعات سكنية جديدة، غالباً ما تكون بعيدة عن مقرات الجماعات التي تتبع لها، خلق وضعيات غير منسجمة أضحت تُعيق التخطيط الترابي السليم.
وخلال النقاشات، شددت عدة مداخلات على ضرورة اعتماد تقسيم إداري متوازن يأخذ بعين الاعتبار الحجم الديمغرافي لكل دائرة، مؤكدة أن بعض المناطق القروية ذات الكثافة السكانية الضعيفة لا تزال تتوفر على عدد من الممثلين يفوق ما هو مخصص لمدن كبرى، مما يطرح سؤالاً حول عدالة التمثيل وفعالية الحكامة المحلية.
وفي السياق ذاته، اعتبر منتخبون أن المرحلة السابقة للانتخابات المقبلة تُعد فرصة حاسمة لتصحيح الأعطاب المتراكمة، خصوصاً في ما يتعلق بترسيم الدوائر الانتخابية. وانتقد البعض الصيغة الحالية التي تمنح، حسب قولهم، “أفضلية غير مبررة” للأغلبية داخل بعض الأقاليم عبر تخصيص مقعدين اثنين لدائرة واحدة، بدل مقعد واحد، معتبرين ذلك إخلالاً بمبدأ الإنصاف التمثيلي.
وشهدت جلسات البرلمان بدورها نقاشاً حاداً حول القوانين الانتخابية، حيث دعت أصوات برلمانية إلى اعتماد معايير دولية واضحة تستند إلى التوازن الديمغرافي وتكافؤ الفرص بين الدوائر، مع المطالبة بالعودة إلى دائرة انتخابية واحدة بخمسة أو ستة مقاعد داخل الإقليم، على غرار ما هو معمول به في أقاليم بني ملال وخريبكة والجديدة وسطات. وتقول هذه الأصوات إن هذا النموذج يعيد الانسجام إلى الخريطة الانتخابية ويتفادى إشكالات التقطيع المثير للجدل كما هو الحال في أزيلال والخميسات وتاونات.
في المقابل، قدّمت وزارة الداخلية موقفاً مغايراً يُؤكد أن تحديد الدوائر وعدد المقاعد يخضع لمعايير تقنية دقيقة، وليس لاختيارات سياسية ظرفية. ووفق المعطيات الرسمية، فإن العملية تتم استناداً إلى توقعات مرتبطة بمشاريع التقسيم الإداري المستقبلية، مع نفي أي نية لاستهداف حزب أو تيار معين. واستشهدت الداخلية بتجارب انتخابية سابقة أظهرت أن عدة أحزاب تمكنت من تحقيق نتائج قوية في دوائر معينة قبل أن تتراجع لاحقاً، ما يعكس — حسب ذات المصدر — أن المنافسة السياسية مفتوحة وأن التقطيع الانتخابي لا يشكّل العامل الحاسم في النتائج.
وتشير خلاصات هذه المشاورات إلى أن ملف مراجعة الخريطة الانتخابية قد يعود بقوة إلى طاولة النقاش الوطني، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، وبروز رغبة واسعة في إرساء منظومة انتخابية أكثر توازناً وشفافية وانسجاماً مع التحولات الترابية والديمغرافية التي تعرفها المملكة.






