اقتصاد

فاس: الحي الصناعي سيدي إبراهيم.. بؤرة للنفايات ومرآة لتخلف المسؤولية الجماعية والصناعية!

“تنمية بسرعتين”.. عبارة تتردد على ألسنة الكثيرين في مدينة فاس، لكن واقع الأحياء الصناعية، وبالتحديد الحي الصناعي سيدي إبراهيم، يفرض تساؤلات مؤلمة: هل هي تنمية أم تدهور؟ ففي الوقت الذي تستقبل فيه مصانع هذا الحي الآلاف من العمال وتاريخه يشهد على عمق علاقته بالمدينة، يصطدم الزائر أو حتى العامل اليومي بواقع مرير يجعله يتساءل: هل نحن فعلاً في حي صناعي أم في بؤرة سوداء تئن تحت وطأة الإهمال والنفايات؟

الصورة تتحدث: إهمال متعمد أم تقصير مزمن؟ الصورة التي بين أيدينا ليست مجرد لقطة عابرة، بل هي شهادة دامغة إلتقطتها عدسة الجريدة الإلكترونية “فاس24” على حجم الكارثة البيئية والجمالية. تظهر أكوام ضخمة من الأزبال والنفايات الصناعية الحديثة وهي  متراكمة في مساحات يفترض أنها كانت لمصانع مهدمة، لتتحول اليوم إلى مكبات عشوائية. آثار الحرق واضحة على هذه النفايات، مما يعكس ممارسات ضارة بالبيئة والصحة العامة، ناهيك عن تشويه صورة هذا الحي الحيوي. الطرقات، والتي يفترض أن تكون شرايين الحياة الاقتصادية للمنطقة، تحولت إلى فخاخ مهترئة ومحفرة، تعيق حركة العمال والبضائع وتزيد من التكاليف التشغيلية للمقاولات. هذا المشهد الكئيب ليس استثناءً، بل هو القاعدة في سيدي إبراهيم، ويشير بوضوح إلى غياب تام لأدنى معايير النظافة والصيانة.

جماعة فاس: أين ذهبت 22 مليار سنتيم؟ يتساءل الكثيرون، وبحق، عن الدور الغائب للمجلس الجماعي لمدينة فاس. كيف يمكن لمجلس رفع ميزانية النظافة إلى 22 مليار سنتيم وأكثر، أن يتخلى عن مسؤولياته تجاه الأحياء الصناعية؟ لماذا تم التخلي عن شراكة كانت تضمن جمع النفايات الصناعية؟ ولماذا لم يتم تخصيص بند واضح في دفتر التحملات مع الشركات المناولة لضمان نظافة هذه المناطق الحساسة؟ هذا التخلي ليس مجرد تقصير إداري، بل هو خيانة لأمانة المواطنين والمستثمرين، وضربة قاصمة لجاذبية المدينة الاقتصادية. إن حرق النفايات على الأرصفة و التي لا تبعد سوى أمتار عن جامعة محمد بنعدالله بظهر المهراز  هو دليل إدانة صريح ضد سياسات النظافة المتبعة التي فشلت فشلاً ذريعاً في حماية البيئة وصورة المدينة.

غرفة جهة فاس مكناس للصناعة والتجارة والخدمات: لا خدمات فعلية وإنفاق للمال العام المسؤولية لا تقع على عاتق الجماعة وحدها. فغرفة جهة فاس مكناس للصناعة والتجارة والخدمات تتحمل جزءاً كبيراً من هذا التدهور. هذه الغرفة، التي يفترض أن تكون داعماً ومدافعاً عن مصالح الصناعيين والتجار والخدمات، لا تقدم أي خدمة فعلية للأحياء الصناعية بالجهة، وخاصة بفاس. إنها تستنزف الميزانيات وتحرق المال العام في منتديات ولقاءات “صورية وخاوية على عروشها”، بينما تتجاهل الواقع المرير الذي يعيشه قطاع الصناعة في قلب المدينة.

ندعو أعضاء الغرفة الصناعية إلى التجول في الحي الصناعي سيدي إبراهيم، وفي حي بنسودة، وفي حي عين الشقف و الدكارات. عليهم أن يواجهوا الحقيقة المرة التي تؤكد أنهم لا يفعلون شيئاً يذكر. اليوم، تقدم الجهة وفاس منطقتين صناعيتين جديدتين، وهما الحي الصناعي عين الشكاك والحي الصناعي عين البيضا، كإنجازات. ولكن كيف يمكن الحديث عن إنجازات جديدة ونحن نرى هذا المستوى من الإهمال في الأحياء القائمة التي تعد أساس الاقتصاد المحلي؟

من الدكارات إلى منطقة “لاسكام” التاريخية لتخزين الحبوب: دعوة للتحرك العاجل لا يقتصر الإهمال على سيدي إبراهيم، بل يمتد ليشمل أول حي صناعي بفاس، حي الدكارات، الذي يعاني في صمت. وكذلك منطقة تخزين الحبوب التي تسيء إلى جمالية المدينة وتتسبب في تلوث بيئي وبصري. لقد حان الوقت للسلطات بمختلف مستوياتها، والوزارات المعنية، للتحرك على عجل. يجب إعادة تقييم شامل لمسؤوليات جماعة فاس وغرفة الصناعة والتجارة والخدمات، ومحاسبة المقصرين. يجب وضع استراتيجية عاجلة وفعالة لإعادة تأهيل الأحياء الصناعية القائمة، وضمان نظافتها وصيانتها. كما يجب النظر بجدية في نقل منطقة تخزين الحبوب من موقعها الحالي الذي يضر بالمدينة.

إن صورة الحي الصناعي سيدي إبراهيم اليوم ليست مجرد مشكلة بيئية، بل هي رمز لتخلف الإدارة وضعف الرقابة، وإهدار المال العام. إنها دعوة قوية للمسؤولين في فاس والجهة للاستيقاظ من سباتهم والعمل بجدية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، قبل أن تتحول “تنمية السرعتين” إلى “تدهور سريع” يطال مستقبل المدينة الصناعي والاقتصادي برمته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى