رمضان والسياسة في المغرب: موائد الإفطار تتحول إلى ساحات صراع مبكر على انتخابات 2026

مع حلول شهر رمضان من كل عام، تتغير إيقاعات الحياة الاجتماعية في المغرب، حيث تتكثف اللقاءات العائلية والأنشطة الجماعية بعد الإفطار. غير أن هذا الشهر لم يعد يقتصر على طابعه الديني والإنساني، بل أصبح أيضاً موسماً سياسياً غير معلن، تستغله العديد من الفاعلين الحزبيين لتكثيف تحركاتهم وتنظيم صفوفهم استعداداً للاستحقاقات الانتخابية المقبلة. فبين الندوات الرمضانية واللقاءات التنظيمية وموائد الإفطار التي تجمع شخصيات سياسية وفاعلين محليين، تتشكل ملامح سباق مبكر نحو الانتخابات التشريعية المقبلة.
في الأسابيع الأولى من الشهر الفضيل، رفعت عدة تنظيمات سياسية من وتيرة أنشطتها التنظيمية، داعية فروعها المحلية إلى تكثيف اللقاءات والندوات والأنشطة التواصلية مع المناضلين والمتعاطفين. وتهدف هذه التحركات، بحسب مصادر سياسية، إلى إعادة تنشيط القواعد الحزبية واستقطاب أعضاء جدد، إلى جانب تصريف مواقف سياسية حول عدد من القضايا الوطنية والاقتصادية والاجتماعية.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن عدداً من القيادات الحزبية أعطت تعليمات مباشرة إلى هياكلها التنظيمية بضرورة استثمار شهر رمضان لتنظيم مبادرات سياسية محلية وقطاعية، وعقد لقاءات تشاورية مع المناضلين، إضافة إلى برمجة ندوات فكرية وسياسية تناقش مختلف التحديات التي تواجه البلاد. كما يُنظر إلى هذه الأنشطة على أنها خطوة أولى في مسار طويل يهدف إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي للأحزاب قبل الدخول في المراحل التنظيمية المرتبطة بالمؤتمرات المحلية والجهوية المرتقبة خلال الأشهر المقبلة.
تعبئة تنظيمية قبل أوانها
ما يميز هذه التحركات، وفق متابعين للشأن السياسي، هو طابعها المبكر مقارنة بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة. فالأحزاب لم تعد تنتظر اقتراب موعد الانتخابات لتبدأ التعبئة، بل أصبحت تعتمد إستراتيجية التحضير المسبق التي تقوم على العمل الميداني المستمر وبناء شبكات الدعم المحلي على مدى فترة طويلة.
ويرى محللون أن هذا التوجه يعكس إدراكاً متزايداً لدى الفاعلين السياسيين بأن الانتخابات لم تعد تُحسم فقط خلال فترة الحملة الرسمية، بل هي نتيجة تراكم طويل من العمل التنظيمي والاتصال المباشر مع الناخبين. ولذلك تحرص العديد من الأحزاب على استغلال كل مناسبة اجتماعية أو ثقافية لتعزيز حضورها وتوسيع قاعدتها الشعبية.
كما أن شهر رمضان يوفر ظروفاً مناسبة لهذا النوع من الأنشطة، إذ تتضاعف اللقاءات الاجتماعية وتزداد فرص التواصل المباشر بين السياسيين والمواطنين، سواء من خلال الندوات الرمضانية أو عبر اللقاءات غير الرسمية التي تجمع فاعلين محليين ومنتخبين وشخصيات مؤثرة داخل المجتمع.
موائد الإفطار… السياسة خلف الكواليس
إلى جانب الأنشطة الحزبية الرسمية، برزت ظاهرة أخرى باتت تتكرر كلما اقترب موعد انتخابي، وهي تنظيم موائد إفطار فاخرة من طرف شخصيات سياسية أو منتخبين محليين. وفي الظاهر، تبدو هذه اللقاءات مجرد مناسبات اجتماعية تهدف إلى تعزيز العلاقات الإنسانية وتبادل التهاني بالشهر الفضيل، غير أن خلف الكواليس تدور نقاشات سياسية لا تقل أهمية عن الاجتماعات الحزبية الرسمية.
فبحسب مصادر سياسية متطابقة، تحولت بعض هذه الموائد إلى فضاءات غير معلنة لمناقشة ملفات الترشح للانتخابات المقبلة، حيث يجتمع طامحون إلى دخول البرلمان مع فاعلين سياسيين واقتصاديين وشخصيات مؤثرة في محيطهم المحلي. وغالباً ما يتم خلال هذه اللقاءات تقييم فرص المرشحين المحتملين وبحث إمكانيات دعمهم داخل الأحزاب أو داخل الدوائر الانتخابية.
وفي كثير من الأحيان، تتحول هذه اللقاءات إلى ساحة تنافس غير مباشر بين عدد من الطامحين إلى الترشح، حيث يحاول كل طرف استعراض حجم نفوذه الاجتماعي والسياسي وقدرته على حشد الدعم داخل محيطه المحلي.
المال والنفوذ في معادلة الترشيحات
ويرى متابعون للشأن الحزبي أن هذه الممارسات تعكس جانباً من التحديات التي لا تزال تواجه العمل السياسي، خصوصاً فيما يتعلق بآليات اختيار المرشحين. فبينما تؤكد الأحزاب في خطاباتها الرسمية اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة والديمقراطية الداخلية، تشير بعض الوقائع إلى أن علاقات النفوذ والولاء الحزبي، وأحياناً الإمكانات المالية، لا تزال تلعب دوراً مهماً في ترجيح كفة مرشح على حساب آخر.
هذا الواقع يثير بدوره نقاشاً واسعاً حول العلاقة بين المال والسياسة، خاصة في ظل الانتقادات المتكررة التي توجه إلى بعض الممارسات المرتبطة بالحملات الانتخابية أو بطرق استقطاب الدعم السياسي داخل الدوائر المحلية.
ويحذر عدد من المحللين من أن استمرار هذه الظواهر قد يعمق أزمة الثقة بين المواطنين والطبقة السياسية، خصوصاً إذا ترسخ الاعتقاد بأن المنافسة الانتخابية لا تقوم فقط على البرامج السياسية أو القدرة على تمثيل المواطنين، بل أيضاً على حجم الموارد المالية وشبكات النفوذ.
الطموحات الفردية تسبق الأحزاب
من جهة أخرى، تكشف التحركات التي يشهدها المشهد السياسي عن بروز طموحات فردية مبكرة لدى عدد من المنتخبين المحليين أو الفاعلين السياسيين الذين يسعون إلى تعزيز حضورهم تمهيداً لدخول البرلمان في الاستحقاقات المقبلة.
فبعض هؤلاء بدأ بالفعل في تنظيم لقاءات موسعة مع شخصيات سياسية وفعاليات محلية، في محاولة لبناء تحالفات اجتماعية وسياسية يمكن أن تدعم ترشحه مستقبلاً. وغالباً ما تتخذ هذه اللقاءات طابعاً اجتماعياً أو خيرياً، لكنها في الواقع تشكل جزءاً من إستراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز الحضور الميداني وكسب التأييد داخل القواعد الانتخابية.
ويرى محللون أن هذه الدينامية تعكس تحولاً في طبيعة العمل السياسي المحلي، حيث أصبح عدد من الفاعلين يعتمدون على شبكات العلاقات الاجتماعية والاقتصادية لتعزيز موقعهم داخل الخريطة السياسية.
رمضان بين الروحانية والسياسة
من الناحية الاجتماعية، لا يُعد حضور السياسة في شهر رمضان أمراً جديداً. فالشهر الفضيل يشكل تقليدياً فرصة لتكثيف التواصل بين مختلف الفاعلين داخل المجتمع، بما في ذلك السياسيون الذين يسعون إلى الاقتراب من المواطنين والاستماع إلى انشغالاتهم.
غير أن اللافت في السنوات الأخيرة هو الطابع المتزايد لهذا الحضور السياسي، حيث أصبحت الندوات الرمضانية واللقاءات الاجتماعية تشكل جزءاً من إستراتيجية تواصلية أوسع تعتمدها الأحزاب لتعزيز حضورها في الفضاء العام.
وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن هذه الأنشطة تساهم في تقريب السياسة من المواطنين وفتح نقاشات حول القضايا العامة، يعتبر آخرون أنها قد تتحول في بعض الحالات إلى مجرد وسيلة للترويج السياسي المبكر.
بداية موسم سياسي طويل
في المحصلة، يبدو أن شهر رمضان هذا العام لم يكن مجرد محطة دينية واجتماعية، بل تحول أيضاً إلى نقطة انطلاق غير رسمية لموسم سياسي طويل. فالأحزاب بدأت بالفعل في إعادة تنشيط قواعدها وتنظيم صفوفها، فيما شرع العديد من الطامحين إلى الترشح في بناء شبكات دعمهم وتحالفاتهم المحلية.
ومع استمرار هذه الدينامية خلال الأشهر المقبلة، يرجح متابعون أن يدخل المشهد السياسي تدريجياً في أجواء المنافسة الانتخابية، حتى وإن كانت الانتخابات لا تزال على بعد سنوات. فالمعركة الانتخابية في الواقع تبدأ قبل ذلك بكثير، عبر تحركات ميدانية وتفاهمات سياسية تُنسج بهدوء بعيداً عن الأضواء.
وبين الاجتماعات التنظيمية واللقاءات الرمضانية وموائد الإفطار التي تجمع الفاعلين السياسيين، تتشكل ملامح المرحلة المقبلة من الحياة السياسية، في انتظار اللحظة التي تنتقل فيها هذه التحركات من الكواليس إلى العلن مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية.






