قضايا

“دفاع الفاسدين”: استغلال شكاوى التشهير كدرع لحماية الذات

إن مسألة شكاوى التشهير لا تتعلق دائمًا بالبحث عن الحقيقة أو الدفاع عن سمعة بريئة. في كثير من الأحيان، تتحول هذه الشكاوى إلى سلاح استباقي يستخدمه الأشخاص المتورطون في ملفات فساد أو نهب للمال العام، بهدف وحيد هو تكميم الأفواه وإجهاض التحقيقات التي قد تفتح ضدهم.

التكتيك الملتوي: تحويل البوصلة

يكمن ذكاء هذا التكتيك في تحويل بؤرة الاهتمام من جريمة الفساد الكبرى إلى “جريمة” التشهير الصغرى.

التحصين الزائف: المتورط في الفساد يرفع شكوى بالتشهير ضد من كشف أمره أو انتقد تصرفه، مُقدمًا نفسه في موقع الضحية المظلوم.

الإرباك القانوني: الهدف هو إدخال المُبلغ أو الناقد في دهاليز المحاكم، وإجباره على صرف الوقت والجهد والمال للدفاع عن نفسه في قضية فرعية، بدلاً من أن ينصب التركيز على جوهر قضيته: فساد المشتكي.

بث الرعب: هذا الفعل يبعث برسالة واضحة للمجتمع والجهات الرقابية: “كل من يجرؤ على الكشف عن تورطي سيتم ملاحقته قضائياً بتهمة التشهير”، ما يخلق حاجزًا من الخوف ويؤدي إلى الصمت القسري.

الاجتهاد القضائي في مواجهة “درع التشهير”

هنا يبرز دور القضاء المستنير الذي يرفض أن يتحول إلى أداة طيّعة في يد الفاسدين. القاضي الذكي والنيابة العامة اليقظة تدرك أن الشكل القانوني للشكوى قد يخفي وراءه نية خبيثة.

التعامل مع الشكوى كـ “إشارة” للتحقيق: بدلاً من المضي مباشرة في إجراءات الملاحقة بتهمة التشهير، يتجه القضاء المجتهد إلى قراءة ما وراء الشكوى. فإذا كانت “الشكوى بالتشهير” تتضمن وقائع تخص فسادًا ماليًا أو إداريًا، فإن الأولوية تتحول فورًا إلى التحقق من صحة هذه الوقائع أولاً.

التركيز على الجوهر لا الغلاف: إن القضاء الذي يمتلك حسًّا عاليًا بالعدالة يدرك أن الواجب الوطني والأخلاقي يحتم عليه فتح تحقيق معمق حول المُشتكي ذاته (المدعي بالتشهير)، للنظر في مدى تورطه في الفساد الذي ورد ذكره. يصبح ملف التشهير مدخلاً لفتح ملف الفساد الأكبر.

مبدأ “إبلاغ عن جريمة”: المرجعية هنا هي أن كشف الفساد (مهما كانت صيغة الكشف قاسية أو منتقدة) هو إبلاغ عن جريمة، وليس تشهيراً . القاضي الحصيف هو من يميز بين نقد مستند لوقائع وافتراء لا أساس له.

تحية للقضاء المجتهد

إن النيابة العامة والقضاء، في لحظة التجلي هذه، تتحول من مجرد تطبيق لنصوص قانونية إلى حصن حقيقي للرقابة الشعبية وحرية التعبير المسؤولة. إن الاجتهاد الذي يرفض أن ينجر وراء محاولات الفاسدين لحماية أنفسهم بالدروع القانونية (شكاوى التشهير)، هو اجتهاد يعزز الشفافية ويفتح الباب واسعاً أمام محاسبة حقيقية.

هذا المنهج القضائي هو الذي يُرسخ مبدأ أن لا أحد فوق القانون، وأن القانون لن يُستخدم أبداً كأداة لحماية المذنب وتجريم المبلغ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى