اقتصاد

جهات بلا سيولة… حين يصبح الاقتراض رهان الجهوية المتقدمة وحدودها

لم تعد أزمة تمويل الجهات مجرد إشكال تقني في تدبير الميزانيات، بل تحوّلت إلى معضلة بنيوية تهدد جوهر ورش الجهوية المتقدمة، وتضع مجالس الجهات أمام امتحان صعب: كيف تُنجز التزامات تنموية كبرى بإمكانات مالية محدودة، وفي سياق وطني ودولي يرفع سقف الانتظارات إلى مستويات غير مسبوقة؟

استحقاقات 2030 تضغط على خزائن الجهات

مع اقتراب الاستحقاقات الكبرى المرتبطة بأفق 2030، خاصة في الجهات الواقعة ضمن “مثلثات الاستثمارات الاستراتيجية”، تتسارع وتيرة المشاريع في مجالات البنية التحتية، النقل، الماء، الرقمنة، والتسويق الترابي. غير أن هذا التسارع يصطدم بواقع مالي هش، حيث تجد الجهات نفسها مطالبة بتمويل برامج طموحة بموارد لا تعكس حجم الاختصاصات المنقولة إليها دستوريا وقانونيا.

ورغم أن الدولة تضخ سنويا استثمارات عمومية تتجاوز 45 مليار درهم عبر مختلف القطاعات، فإن الحصة المباشرة الموجهة للجهات من طرف وزارة الداخلية، والمحددة في حوالي 10 ملايير درهم موزعة على 12 جهة، ما تزال موضوع شد وجذب، ولا ترقى – بحسب رؤساء جهات – إلى مستوى الرهانات المسطرة في مخططات التنمية الجهوية.

تبعية مالية شبه كاملة

تكشف الأرقام عن اختلال لافت في بنية مالية الجهات: في المتوسط، تشكل التحويلات المالية من الدولة نحو 95 في المائة من ميزانيات الجهات، مقابل موارد ذاتية ضعيفة لا تتجاوز في أحسن الحالات 5 في المائة، وتنخفض أحيانا إلى حدود 3 في المائة، حتى في الجهات التي تتوفر على مؤهلات اقتصادية وسياحية وطبيعية واعدة.

هذا الواقع يكرس تبعية مالية شبه مطلقة، ويجعل أي تأخر أو تقليص في التحويلات المركزية مؤثرا بشكل مباشر على قدرة الجهات على تنفيذ برامجها، ناهيك عن مواجهة الطوارئ المرتبطة بندرة المياه أو تقلبات المناخ أو الضغط الاجتماعي.

الاقتراض… حل اضطراري أم مخاطرة مؤجلة؟

أمام هذا الخصاص، عاد خيار الاقتراض بقوة إلى طاولة النقاش داخل مجالس الجهات، ليس كترف مالي، بل كآلية إنقاذ لما تبقى من ولايات انتدابية تنتهي في 2027. وقد ساهم تحيين الإطار القانوني، عبر المرسوم رقم 2.22.31 الصادر في 21 يناير 2022، في توسيع هامش تحرك الجهات، ومنحها إمكانيات أكبر للولوج إلى الاقتراض الداخلي والخارجي.

المرسوم الجديد فتح الباب أمام الجهات للاقتراض من مؤسسات الائتمان الوطنية، وصندوق التجهيز الجماعي، وكذا المؤسسات المالية الدولية، على رأسها البنك الدولي، والبنوك الأوروبية، وهيآت التعاون العمومي الأجنبية، مع إمكانية إصدار سندات ديون واللجوء إلى آليات مالية أكثر تطورا، مثل تسنيد الأصول، في تحول نوعي بأدوات التمويل الترابي.

رقابة مشددة وتوازنات هشة

غير أن هذا الانفتاح لا يتم دون قيود. فعمليات الاقتراض تظل خاضعة لمراقبة مزدوجة من وزارتي الداخلية والاقتصاد والمالية، داخل آجال محددة، مع تدقيق صارم في مداولات المجالس، والقدرة الفعلية على السداد، وطبيعة الضمانات المقدمة. الهدف المعلن هو حماية التوازنات المالية للجهات وتفادي سيناريوهات مديونية مفرطة قد ترهن الميزانيات المستقبلية.

لكن الإشكال لا يقف عند حدود النصوص، بل يتجسد في القدرات الواقعية للجهات. فضعف الموارد البشرية المؤهلة، وغياب الخبرات التقنية والمالية المتخصصة، يحدّان من قدرة العديد من المجالس على إعداد ملفات اقتراض مقنعة، أو التفاوض مع المؤسسات المانحة للحصول على شروط تمويل تفضيلية.

بين الطموح والقدرة: سؤال الحكامة

في العمق، تطرح أزمة تمويل الجهات سؤال الحكامة قبل سؤال المال. فالاقتراض، مهما اتسعت آفاقه، يظل أداة لا غاية، وقد يتحول إلى عبء إذا لم يُوظف في مشاريع منتجة للقيمة ومولدة للموارد. كما أن استمرار ضعف الموارد الذاتية يطرح علامات استفهام حول نجاعة آليات الجبايات الجهوية، وحدود الاستقلال المالي الحقيقي الذي يفترض أن يشكل أحد أعمدة الجهوية المتقدمة.

اليوم، تبدو الجهات المغربية عالقة بين طموح تنموي متسارع، وإمكانات مالية محدودة، وبين انفتاح قانوني على الاقتراض، وقدرة مؤسساتية غير مكتملة على استثماره بحكمة. وهو وضع يجعل من إصلاح منظومة تمويل الجهات، وتعزيز مواردها الذاتية، وتأهيل رأسمالها البشري، شرطا حاسما حتى لا يتحول رهان الجهوية المتقدمة إلى مجرد عنوان بلا سند مالي مستدام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى