اقتصاد

المغرب يدخل سباق الهيدروجين الأخضر باستثمارات تفوق 13 مليار دولار… تحالفات دولية وشهية أوروبية في مواجهة منافسة الخليج وآسيا

في ظل التحولات العميقة التي يعرفها النظام الطاقي العالمي، بدأ الهيدروجين الأخضر يفرض نفسه كأحد أهم الموارد الاستراتيجية التي ستحدد ملامح الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة. فبعد عقود طويلة من هيمنة النفط والغاز، تتجه الأنظار اليوم نحو مصادر طاقة نظيفة قادرة على خفض الانبعاثات الكربونية وضمان أمن الطاقة في عالم يشهد تحولات جيوسياسية متسارعة. وفي قلب هذا التحول الطاقي العالمي، يبرز المغرب كأحد أبرز المرشحين في القارة الإفريقية للدخول بقوة في سوق الهيدروجين الأخضر، مستنداً إلى موقعه الجغرافي الاستراتيجي وإمكاناته الكبيرة في الطاقات المتجددة.

رهان طاقي جديد يعيد رسم خريطة النفوذ

أصبح الهيدروجين الأخضر اليوم أحد أهم رهانات التنافس بين الدول الكبرى، ليس فقط كبديل نظيف للوقود الأحفوري، بل أيضاً كأداة جيوسياسية جديدة لإعادة تشكيل موازين القوة في سوق الطاقة العالمي. فالدول التي ستنجح في إنتاج هذه الطاقة بكلفة منخفضة ستكون قادرة على لعب أدوار استراتيجية في تأمين احتياجات الاقتصاد العالمي من الطاقة النظيفة.

وفي هذا السياق، صنفت تقارير دولية حديثة المغرب ضمن الدول الإفريقية الأكثر استعداداً لتطوير اقتصاد قائم على الهيدروجين الأخضر، إلى جانب دول مثل مصر وناميبيا وجنوب إفريقيا. ويعكس هذا التصنيف التحول الذي عرفته المملكة خلال السنوات الأخيرة في مجال الطاقات المتجددة، حيث أصبحت واحدة من أبرز الدول الاستثمارية في الطاقة الشمسية والريحية داخل المنطقة.

ما هو الهيدروجين الأخضر وكيف يتم إنتاجه؟

الهيدروجين الأخضر هو نوع من الوقود النظيف يتم إنتاجه عبر عملية التحليل الكهربائي للماء، حيث يتم فصل الهيدروجين عن الأوكسجين باستخدام الكهرباء المولدة من مصادر متجددة مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح. وعلى عكس الهيدروجين التقليدي الذي يعتمد في إنتاجه على الغاز الطبيعي أو الفحم، فإن الهيدروجين الأخضر لا ينتج عنه انبعاثات كربونية، مما يجعله أحد أهم الحلول لمواجهة التغير المناخي.

لكن الوصول إلى إنتاج هذه الطاقة يتطلب بنية تحتية معقدة تشمل محطات طاقة متجددة ضخمة، ومصانع للتحليل الكهربائي، إضافة إلى منظومات صناعية قادرة على تحويل الهيدروجين إلى منتجات قابلة للنقل والتخزين مثل الأمونياك الأخضر.

لماذا يراهن المغرب على هذا القطاع؟

يرتكز الطموح المغربي في مجال الهيدروجين الأخضر على مجموعة من العوامل الاستراتيجية. أولها الإمكانات الكبيرة التي تتوفر عليها المملكة في مجال الطاقة الشمسية والريحية، حيث تتمتع مناطق واسعة من البلاد بمعدلات إشعاع شمسي وسرعات رياح تجعل تكلفة إنتاج الكهرباء المتجددة منخفضة نسبياً مقارنة بعدد من الدول الأخرى.

العامل الثاني يتمثل في الموقع الجغرافي للمغرب بالقرب من أوروبا، التي أصبحت في حاجة ملحة إلى مصادر طاقة بديلة بعد الأزمة الطاقية التي تفجرت إثر الحرب في أوكرانيا. وقد دفع هذا الوضع الاتحاد الأوروبي إلى إطلاق خطط طاقية جديدة تهدف إلى استيراد كميات كبيرة من الهيدروجين الأخضر خلال السنوات المقبلة.

كما يراهن المغرب أيضاً على بنيته التحتية الصناعية والمينائية المتقدمة التي يمكن أن تسهل عمليات تصدير الطاقة النظيفة نحو الأسواق الدولية.

استثمارات ضخمة تقودها مجموعة الفوسفاط

من بين أبرز الجهات التي تقود الاستثمارات في مجال الهيدروجين الأخضر بالمغرب تبرز مجموعة OCP Group، التي تعتبر أكبر منتج للفوسفاط ومشتقاته في العالم. فقد أعلنت المجموعة عن برنامج استثماري ضخم يناهز 13 مليار دولار يهدف إلى تحويل منظومتها الصناعية تدريجياً نحو الاعتماد على الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.

ويشمل هذا البرنامج إنشاء مشاريع طاقية ضخمة تعتمد على الطاقة الشمسية والريحية بقدرة إنتاجية تصل إلى 3.8 جيغاواط، إضافة إلى بناء وحدات صناعية لإنتاج الأمونياك الأخضر، وهو عنصر أساسي في صناعة الأسمدة.

وتطمح المجموعة إلى بلوغ إنتاج يناهز 3 ملايين طن من الأمونياك الأخضر بحلول سنة 2032، في خطوة من شأنها أن تقلص اعتماد المغرب على استيراد هذه المادة الحيوية، وتعزز في الوقت نفسه القدرة التنافسية لصادرات الأسمدة المغربية في الأسواق الدولية.

شركاء دوليون واستثمارات خليجية

ولا يقتصر الاستثمار في الهيدروجين الأخضر بالمغرب على الفاعلين المحليين فقط، بل يشهد أيضاً اهتماماً متزايداً من شركات طاقة دولية. ومن بين أبرز هذه الشركات شركة ACWA Power السعودية التي دخلت في شراكات مع المغرب لتطوير مشاريع متقدمة في مجال الهيدروجين المتجدد.

وتسعى هذه المشاريع إلى إنتاج طاقة نظيفة يمكن استخدامها في صناعات مستقبلية مثل الصلب الأخضر، الذي يتوقع أن يشهد طلباً متزايداً في الأسواق الأوروبية خلال السنوات المقبلة.

كما تبدي شركات أوروبية اهتماماً كبيراً بالاستثمار في مشاريع الهيدروجين بالمغرب، خاصة في ظل سياسات الاتحاد الأوروبي الجديدة التي تهدف إلى تقليص الانبعاثات الكربونية وتعزيز الاعتماد على الطاقات النظيفة.

أوروبا… الزبون الأول للطاقة الخضراء المغربية

تسعى أوروبا إلى استيراد كميات ضخمة من الهيدروجين الأخضر في إطار استراتيجيتها الطاقية الجديدة التي تعرف باسم REPowerEU، والتي أطلقت بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا بهدف تقليل الاعتماد على الغاز الروسي.

ووفق هذه الخطة، يهدف الاتحاد الأوروبي إلى استيراد ما يقارب 10 ملايين طن من الهيدروجين المتجدد بحلول عام 2030، وهو ما يفتح آفاقاً واسعة أمام دول شمال إفريقيا وعلى رأسها المغرب.

كما أن مبادرات أوروبية مثل برنامج H2Global توفر آليات تمويل وعقود شراء طويلة الأمد يمكن أن تضمن استقرار الطلب على الهيدروجين المنتج في دول مثل المغرب.

منافسة شرسة من الخليج وآسيا

غير أن الطريق نحو الريادة في سوق الهيدروجين الأخضر لن يكون سهلاً، إذ تشهد هذه السوق الناشئة دخول لاعبين كبار، خاصة من دول الخليج التي بدأت تستثمر بكثافة في مشاريع الطاقة النظيفة بهدف الحفاظ على مكانتها في سوق الطاقة العالمية.

كما برزت قوى آسيوية مثل الصين والهند كلاعبين محتملين في هذا القطاع، حيث تمكنت الصين من تطوير تقنيات منخفضة التكلفة لإنتاج الهيدروجين عبر التحليل الكهربائي، في حين نجحت الهند في خفض تكلفة إنتاج الأمونياك الأخضر من خلال آليات مزادات تنافسية.

هذه المنافسة الدولية تفرض على المغرب تسريع وتيرة تنفيذ مشاريعه الطاقية حتى ينتقل من مرحلة التخطيط إلى مرحلة الإنتاج الفعلي والتصدير.

رهان السيادة الصناعية

لا يقتصر الطموح المغربي في مجال الهيدروجين الأخضر على تصدير الطاقة فقط، بل يتجه أيضاً نحو بناء منظومة صناعية متكاملة تعتمد على هذه الطاقة الجديدة.

فإلى جانب صناعة الأسمدة، يمكن للهيدروجين الأخضر أن يلعب دوراً مهماً في صناعات أخرى مثل الصلب الأخضر والنقل البحري والجوي منخفض الانبعاثات.

ويعتبر خبراء الاقتصاد أن تطوير هذه السلسلة الصناعية يمكن أن يخلق آلاف فرص العمل ذات القيمة المضافة العالية، ويساهم في تعزيز استقلالية المغرب الطاقية وتقليص فاتورة استيراد الطاقة.

نافذة الفرص الضيقة أمام إفريقيا

ورغم الإمكانات الكبيرة التي تتوفر عليها القارة الإفريقية في مجال الطاقات المتجددة، فإن الاستثمارات العالمية في الهيدروجين الأخضر ما تزال تتركز أساساً في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية.

وتشير المعطيات إلى أن إفريقيا لم تستقطب سوى نسبة ضئيلة من الاستثمارات العالمية في هذا القطاع، حيث لم يصل سوى عدد محدود من المشاريع إلى مرحلة القرار الاستثماري النهائي.

وفي هذا السياق، يبدو المغرب من بين الدول الإفريقية القليلة التي استطاعت تطوير مشاريع ملموسة واستراتيجية واضحة في هذا المجال.

لحظة مفصلية في المسار الطاقي للمملكة

يقف المغرب اليوم أمام مرحلة حاسمة في مساره الطاقي والصناعي. فنجاح مشاريع الهيدروجين الأخضر قد يفتح أمامه آفاقاً جديدة للانتقال من بلد مستورد للطاقة إلى فاعل مؤثر في أسواق الطاقة النظيفة العالمية.

غير أن تحقيق هذا الطموح سيظل رهيناً بقدرة المملكة على جذب الاستثمارات الدولية، وتأمين عقود شراء طويلة الأمد، وبناء شراكات تكنولوجية متقدمة تسمح بتطوير صناعة طاقية متكاملة قادرة على المنافسة في سوق عالمي يتشكل بسرعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى