أسطول سيارات الدولة يلتهم الملايير: حكومة أخنوش تدعو للتقشف وتغرق في التبذير

في مشهد يفضح تناقض الخطاب الحكومي مع الواقع، كشفت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح أن حظيرة سيارات الدولة تكلف سنوياً أزيد من 300 مليار سنتيم، وهو رقم صادم يعكس النزيف المالي المستمر، رغم كل الشعارات المرفوعة حول “سياسة التقشف” التي ما فتئ رئيس الحكومة عزيز أخنوش يلوّح بها كلما تعلق الأمر بخفض الإنفاق.
الوزيرة أكدت أمام البرلمان أن الاعتمادات المالية المخصصة لهذه الحظيرة عرفت ارتفاعاً خلال سنتي 2024 و2025، لتبلغ 309 مليارات سنتيم كمعدل سنوي، مقابل 267 مليار سنتيم فقط خلال الفترة 2020 – 2023. أرقام تكشف أن حكومة أخنوش لم تلتزم حتى بتوجيهاتها الخاصة، بل أمعنت في تبديد المال العام على سيارات فارهة ووقود وزيوت وسفر وتنقلات، في وقت يئن فيه المواطن المغربي تحت وطأة الغلاء وغياب أبسط شروط العيش الكريم.
هذا النزيف المالي يتناقض جذرياً مع منشور رئيس الحكومة نفسه الذي دعا فيه إلى عقلنة النفقات غير الضرورية، وفي مقدمتها سيارات الدولة. لكن الواقع يبين أن منشورات أخنوش لا تعدو أن تكون حبرا على ورق، بينما تستمر الوزارات والجماعات والمؤسسات العمومية في تبديد الملايير على أسطول ضخم من السيارات السياحية والنفعية، أغلبها يُستغل خارج مهام المصلحة العامة، ويتحول إلى امتياز شخصي للمسؤولين.
الأخطر أن الحكومة تحاول تجميل الصورة عبر مقارنات قديمة، فتقول إن الأرقام الحالية تبقى أقل من تلك التي عرفتها سنوات 2012 – 2014 في عهد بنكيران، حين بلغت 350 مليار سنتيم. لكن الفارق كبير: آنذاك كانت أسعار المحروقات مدعومة من الدولة، أما اليوم فالمواطن يؤدي ثمن البنزين والغازوال من جيبه بأسعار ملتهبة، فيما سيارات الدولة تتمون من الخزينة العمومية.
هذه الملايير التي تهدر سنوياً على سيارات الدولة كان يمكن أن تُخصص لبناء مستشفيات، أو تجهيز مدارس عمومية متهالكة، أو دعم القدرة الشرائية للمغاربة. لكن يبدو أن أولويات الحكومة الحالية تنحصر في الحفاظ على رفاهية أسطولها، بدل حماية كرامة الشعب الذي يزداد فقراً وتهميشاً.
إن ما يجري اليوم ليس سوى حلقة جديدة من مسلسل ازدواجية الخطاب: حكومة تدعو للتقشف من جهة، وتغرق في التبذير من جهة أخرى. وبينما يخرج المواطنون للاحتجاج على انهيار الصحة وغلاء المعيشة، تمضي الحكومة في استنزاف أموالهم على سيارات الدولة، لتظل شعارات “الإصلاح” مجرد ديكور يُخفي حقيقة الفساد البنيوي في تدبير المال العام.






